في واجب عزاء يحضرني مقراط ومقاله
أثناء حضوري لأداء واجب العزاء للأستاذ الفاضل والهامة الاجتماعية (جميل شديق الحميدي)، وذلك باستشهاد نجلة ( فتح الله ) طيب الله ثراه، والذي استشهد في جبهة كهبوب والمحاولة أثناء مقاومة جحافل الحوثيين، شدّ انتباهي حديث على هيئة دعوة أطلقها أحد كبار السن، تفاعل معها الحاضرين، تتمحور مفرداتها حول ضرورة الزواج بأكثر من أمرأة ومع تيسير المهور للشباب والراغبين؛ وبحسب ما فهمت الرجل يختص بها مناطقنا (الصبيحة) من باتت تقع في قلب الأعصار، ورجالها وشبابها يتعرض لنزيف قتل متواصل لا ينقطع، لكن وعلى حسب رأيي كان من الأنسب والأجدر، الدعوة تشمل جميع المحافظات الجنوبية الملتهبة، ومن تدفع إلى جانبها ثمن صراعات دولية وإقليمية تحت عنوان المد الرافضي للحوثيين.
وبحسبي أن كلام كهذه بتنا نسمعه، ويصدر في هذا التوقيت الحرج، يهدف لزيادة النسل لا يأتي عبثًا، بل هو ينم عن توجّس من القادم المحتمل، دفع أصحابه إرتجال رئي من جانب يهدف لمجاراة الفائض البشري عند الحوثيين، والاستعداد لجولات قادمة ولأي عوارض مستقبلية تنتج عن الظاهرة نفسها، خصوصًا والخصم بات على تخومنا ينشأ حواضن ويوسعها، والجانب الآخر إذ يعتبر بمثابة دق ناقوس الخطر، ولفت أنتباه من هم تحت الضغط، وذلك نظرًا لتموضع القبيلة بالقرب من ثاني أهم ممر مائي عالمي، تتقاطع عنده مصالح جهات عديدة، مما جعل سهولها وجبالها مسرحا لعمليات قتالية تدور في حلقة مفرغة لا تنتهي؛ وبقدر الاستماتة التي يُبديها رجال وشباب، والتضحيات الجسيمة التي يقدّمونها في سبيل الذود عن مناطقهم ومصدر أرزاقهم، رافعين راية أما أن نكون أو لا نكون، وفي حال إطالة أمد الحرب، سيضع القبيلة ذاتها أمام تحدٍ كبير، لذلك من أجل الاستمرارية، وتفادٍ للمجهول، تعيّن على مثل هؤلاء التفكير بمخارج تمكّنها من مواكبة التطورات وتجاوز المحنة.
خصوصًا ونحن نعيش حرب غير واضحة المعالم، ليس من اليوم إنّما من الوهلة الأولى لاندلاعها، وبالقدر الذي نحسبها تضيق مصادرها مازالت تتشعب وتتسع، وما يلمس عنها إلى الأن لم تحكم بضوابط ومحددات، ولهذا من المؤكد لن ترسو على بر في القريب العاجل كما نأمل، وما يزيد الطين بلّة، ما تشهده الجبهة الداخلية المناوئة للخصم من تصدعات وخلافات بينية زادت حدتها مؤخرًا، وكل فصيل دخل المعركة بحسابات يتماييز بها عن الأخر، كما لو كان له في الجهة المقابلة أعداء أيضًا له أتباع، يشاركهم الرأي والتخطيط دونه الجهة الأقرب منه، وفي مثل هكذا نوع من الحروب غامضة ومتداخلة المصدر، ومتابينة الرؤى والنوايا، من الطبيعي يختل فيها الوفاء وتتفشى بداخلها الخديعة وترد فيها الخيانة، وهذا بدوره ينعكس على المواطن البسيط المغلوب على أمره، باعتباره من يدفع في الأول والأخير الثمن، لمعارك يجهل خيوط التحكّم بها وللاعبين الحقيقين من وراءها.
في مقال نشره الصحفي المتألق علي منصور مقراط، رئيس تحرير صحيفة الجيش اليمني، بتاريخ 27/10/2026 الموافق الثلثا، بعنوان “الحوثي هدفه الجنوب وعلى القيادة منح قيادة المعركة لرمزية جنوبية، ” مستهلًا حديثه طلب العفو من تعز التي كما يبدو لي من 2015م يتفق على عقابها جميع من في المشهد، ليعرج على الناشطين الإعلامين، وتفرّقهم حول حسابات بينية، متّهمهم بلا تمييز، بالتخزبن في بيتوهم، يتفرجوا على إخوانهم الصبيحة والعمالقة ودرع الوطن وهم يقتلون بالعشرات. منوّهًا ومحذرًا في ذات السياق، بأنّ لديه معلومات هائلة ومرعبة عمّا يحدث في عدن من تخاذل، لكنه سيؤجلها خشية يستفيد منها العدو، ويجزم بأن ما يجري ليس تخاذل أو سلبية غير مقصودة، بل مؤامرة يرسمها مسؤولون من خارج عدن، متعهدًا ومستعدًا لكشف تلك القيادات في وقتها، وليستطرد حديثه مذكّرا بالمزايا والقدرات التي يتمتع بها الجنوب، إشاره إلى الكفائات العسكرية من يصفها على حد قوله بالأسود، مقابل الإمكانان والأموال التي أودعتها السعودية في البنك المركزي لصالح الإعداد للمعركة، فيما لو صخّرت بشكل صحيح ستُحدِث فارق وتقلب الموازين ضد الحوثيين وبهذا المعنى.
المقال بالمجمل من حيث الدلالة الرمزية والعمق ممتاز، وهو بمثابة تشخيص للواقع إلى درجة عالية من الكفاءة المهنية والصحفية، فقط يشوبه بعض المواربة، الغير مستغربة من رجل تعوّد السباحة في الكلام.
ولئن الحماقة أعيت من يداويها وعادة ما أودت بأناس كثر إلى التهلكة، لأنها تصدر عن طيبة نفس أصحابها، وتكمن عند هذا في التلويح بقول نصف الحقيقة وإخفاء نصفها الآخر، فلمن يطالع المقال من البديهي يخالطه ألشك… وبحكم موقعه كرئيس صحيفة الجيش وشاهدته في هذا الجانب غير مجروحة، ربما يظنّه قصد بها الابتزاز والتربّح، شأنه شأن من يتاجر في مصائب قومه، عملًا بالمبدأ ( أقسم حق بن هادي) ولكن في ذلك حدسنا يخبرنا أن أفة كهذه ليس من شيم وأخلاق الرجل اجتراحها، وما ينطق سوى من شعور وطني خالص لا يخالطه كدر، هذا كما عودنا دائما عند حسن ظن الجميع به، مخلصا لرسالته المهنية والإنسانية.
عملًا بالأخير كخيار ظاهر يحتم علينا الأخذ به ولا يمكن تجاوزه إلى غيره إلا بدليل كافٍ، فما تقدم به موقف مشرّف وإيجابي، ولكونه مبادرة غير محسوبة النتيجة، يستحق الشكر والثناء عليها، فمن هذا الزواية، لا يسعنا إلا القول له: “وحتى لا تكن سنمار آخر الزمان، دفن وسر الحجر معًا! كان الأجدر تتدارك الأمر وتسارع اليوم قبل الغد، للبوح بما وعدت في فضح المتخاذلين، فالمسألة لا تحتمل التأخير والمناورة، ولتضع النقاط على الحروف، وبالتالي تخلي ضميرك أمام الله والناس، فكما لك حساباتك، فاللنعمان أيضًا حساباته، نخشى ما نخشاهُ، أن يسوقك على غرة ويرميك من أعالي قصر المعركة التي تحاول بأناملك توجيه مسارها في الطريق الصحيح، ولتشيّد بنيانها بسواعد ما بقي من رجال حولك، فتموت وتدفن أنت وسرك معًا، وقبل يتدللى الفجر، فلا أنت من معانقة صعدة وصنعاء اليمن ولا من معانقة أبين وعدن… أحذر واحترس.
