خطر مذهبة القضية الجنوبية: تحويل صراع وطني قابل للحل مع اليمن الشقيق إلى صراع عقائدي لا ينتهي
ان تحويل صراع الجنوب مع اليمن من صراع سياسي وطني على شكل الدولة والسلطة والثروة والهوية، إلى صراع عقائدي مذهبي هو خطأ قاتل وأخطر تحول يمكن أن يحدث، لأنه يغير طبيعة الصراع نفسه.
ولابد من تثبيت ثلاث حقائق قبل الدخول في التفاصيل:
1. صراع الجنوب مع اليمن هو صراع أوطان لا مذاهب: وهو صراع شعب ووطن وهوية ودولة مع كل قوى ومنظومة صنعاء بكل ألوانها – حوثي وإخواني وعفاشي وغيرها وليس صراع شافعي ضد زيدي.
2. هناك من يدفع نحو المذهبة عمداً: السعودية وقوى الأطماع والنفوذ الإقليمي تسعى بوعي لمذهبة الصراع بين اليمن والجنوب العربي ، لأن الصراع الوطني له نهاية وتسوية ودولة، بينما الصراع المذهبي مشروع استنزاف دائم يبقي اليمن والجنوب العربي ساحة مفتوحة للوصاية والتدخل والتحكم بالثروة والقرار.
3. يجب الفصل بين التوصيف والمواجهة: وهذا هو لب الإشكال في الشارع الجنوبي واليمني عموماً.
أولاً: منطق الشارع وتوصيف الحوثي
الشارع الجنوبي واليمني عموماً منطقه يقوم على فكرة: “أنتم تنظرون للحوثي كطرف سياسي يمكن التفاوض معه، بينما هو في الواقع مشروع عقائدي إقصائي لا يؤمن بالتعايش أصلاً.”
وهذا التخوف له أساس واقعي. فكثير من أبناء الجنوب والشمال يرون أن ممارسات الحوثي على الأرض خلال 10 سنوات – من تغيير المناهج، وإقامة فعاليات طائفية دخيلة على المجتمع اليمني، والتضييق على المساجد والخطباء المخالفين، وخطاب بعض قياداته ورموزه الذي فيه سب للصحابة – كلها تعطي انطباع أنه مشروع مذهبي توسعي، وليس مجرد صراع سياسي على السلطة.
وهنا يأتي الاتهام له بأنه “اثنا عشري”. للتوضيح التاريخي: الحركة الحوثية في أصلها حركة زيدية جارودية، لكن خصومها يتهمونها بأنها تحولت عملياً إلى اثني عشرية بفعل التحالف والدعم الإيراني واستيراد طقوس مثل الحسينيات. هذا الاتهام هو نفسه ما يجعل الناس تميل لمذهبة الصراع.
ثانياً: طريقة المواجهة.. وهنا مكمن الخطورة
التحذير من تحويل الصراع إلى صراع مذهبي لا يعني أبداً أن لديك أمل في حل تفاوضي سلمي معه، ولا يعني الدعوة للتعايش مع مشروعه.
بل على العكس، التحذير يأتي من زاوية عسكرية وسياسية بحتة:
1. مذهبة الصراع هي ما يريده الحوثي نفسه.
الحوثي قوي عندما يقول لأتباعه في صعدة وصنعاء: “نحن في حرب دفاع عن آل البيت والمذهب ضد النواصب والتكفيريين”. هذا الخطاب هو أقوى أداة تعبئة لديه. عندما تحول أنت الصراع من “جنوب يريد استعادة دولته من احتلال سياسي” إلى “سنة ضد شيعة”، فأنت تعطيه بالضبط الذخيرة التي يريدها لتجنيد آلاف المقاتلين من خارج جماعته.
2. الصراع الوطني يوحّدك، والمذهبي يقسمك.
عندما تقول “صراعي مع صنعاء صراع وطن ودولة”، سيقف معك الشافعي من تعز وتهامة ومأرب والزيدي من صنعاء الذي يرفض الحوثي أيضاً. كلهم ضد المشروع الحوثي لكن لأسباب وطنية.
عندما تقول “صراعي معهم لأنهم شيعة روافض يسبون الصحابة”، ستخسر هذا الحليف الشمالي والوسطي، وستحول المعركة إلى شمال شافعي وجنوبي ضد شمال زيدي، وهذا ما يضمن للحوثي حاضنة زيدية صلبة في الشمال لن تتخلى عنه خوفاً منك.
3. الصراع الوطني له نهاية، والمذهبي ليس له نهاية.
يمكنك أن تهزم مشروع سياسي عسكري وتفرض واقع دولة جنوبية، وتنتهي الحرب. لكن لا يمكنك أن تهزم مذهباً بالقوة. لو تحولت الحرب إلى “سني ضد شيعي”، فستستمر حتى لو سقط الحوثي، ستظهر جماعة سنية متطرفة تكفرك أنت أيضاً كما حدث في العراق وسوريا.
ثالثاً: ما هي مخاطر المذهبة تحديداً على الجنوب واليمن؟
1. تحويله من صراع قابل للحل إلى صراع صفري وجودي: الخلاف على وطن يمكن أن ينتهي بدستور، استفتاء، فدرالية، كونفدرالية، انفصال توافقي. الخلاف العقائدي لا تسوية فيه.
2. تفجير النسيج الاجتماعي الداخلي: اليمن تاريخياً متعايش مذهبياً – شافعية وزيدية عاشت قرون بجانب بعض. إذا تم مذهبة الصراع، سينتقل من جبهات القتال إلى داخل الحارة والقرية والأسرة.
3. إطالة أمد الحرب لعقود وتوريثها للأجيال.
4. فتح الباب للتدخلات الخارجية بشكل غير مسبوق: الصراع المذهبي الذي تريده السعودية وقوى النفوذ يجلب دعماً عقائدياً مفتوحاً وشبكات تمويل ديني عابرة للحدود.
5. خلق بيئة مثالية للتطرف والإرهاب.
6. خسارة الجنوب لقضيته العادلة: قضية الجنوب قوية كقضية شعب ووطن وحقوق، يحترمها العالم. إذا تحولت إلى صراع مذهبي ستخسر تعاطف حتى اليمنيين الشافعية في الشمال والوسط.
الخلاصة النهائية:
الذين يحذرون من مذهبة الصراع ليسوا سُذّج يريدون تعليم الحوثي التعايش السلمي. هم يقولون:
واجه الحوثي كمشروع سياسي إمامي عنصري يريد الضم والإلحاق وإلغاء الآخر، وهذا توصيف وطني سياسي قوي وكافٍ لهزيمته، ولا تحوّل المعركة إلى معركة مساجد وحسينيات وسب صحابة، لأنك حينها تنقل المعركة من أرض تتفوق فيها وهي الأرض الوطنية، إلى أرض يتفوق هو فيها وهي الأرض العقائدية.
تجار الحروب في الداخل وقوى الأطماع في الخارج تستفيد من الصراع المذهبي لأنه يضمن استمرار التعبئة والتجنيد والتمويل بلا نهاية، بينما الشعوب في الجنوب واليمن هي من تدفع الثمن.
