التوازن عبر الفوضى.. لعبة تفكيك التضامن الوطني الجنوبي

التوازن عبر الفوضى ، تسعى إلى حصر هذه الهوية في إطارها المحلي الضيق، ودفعها نحو ما يُسمى بـ”الإقليم الشرقي”، ككيان منفصل أو شبه منفصل، بدعوى “الخصوصية الحضرمية”.

وهنا تكمن اللعبة: فمن جهة، يتم إرضاء الدولة المركزية في صنعاء التي ترى في وحدة الجنوب خطراً إستراتيجيّاً، ومن جهة أخرى، يتم وأد الحلم الجنوبي في إستعادة دولته كاملة السيادة، من خلال سلخ حضرموت عن جسد الجنوب، ثم إغراقها في صراعات داخلية بين مكوناتها. فلا تسلم المحافظات الشرقية من تغذية النعرات: حضرموت مقابل شبوة، وشبوة مقابل المهرة، وكل محافظة تُدفع إلى التنافس والتناحر على حساب الأخرى، حتى تغدو الغلبة لأحدها على الآخر هي الشغل الشاغل، وينسى الجميع أن العدو الحقيقي هو ذلك الذي يمسك بخيوط اللعبة كلها من وراء ستار كثيف من الابتسامات الدبلوماسية والوعود المالية.

إنها ليست حضرموت وحدها. فالمنطق نفسه يُطبّق ببرودة أعصاب على سائر المحافظات الجنوبية. فها هي الرسائل تُوجّه إلى أبناء أبين: “لا يمكن أن تحكمكم الضالع”. وإلى أبناء لحج، وبالذات يافع والصبيحة: “لا يمكن أن تحكمكم الضالع أيضاً”. وهكذا مع أبناء عدن: “لا يمكن أن يحكمكم مثلث الضالع ويافع وردفان”. إنها لعبة تفكيك التضامن الوطني، وتحويل الهوية الجنوبية الجامعة إلى هويات فرعية متناحرة، تتصارع على المواقع والنفوذ والمصالح الصغيرة، بينما الدولة المركزية والراعية الإقليمية تتفرجان وتديران دفة الصراع بما يخدم أهدافهما.

إنها ليست مجرد رسائل سياسية، بل هي قنابل موقوتة تُزرع في العقول والقلوب، وتُسقى يومياً بمال الإغراء ووعود التمكين والمناصب الوهمية. إنها سياسة تجعل من القبيلة عدوة للمدنية، ومن السلاطين التاريخيين بديلاً عن المؤسسات، ومن النخب السياسية أدوات للإنقسام بدلاً من أن تكون أدوات للبناء الوطني.

في سياق هذه الإستراتيجية العاتية، لا تقف المسألة عند حدود الجغرافيا والتقسيمات الإدارية، بل تمتد إلى تحطيم فكرة الدولة ذاتها من خلال إحياء النزعات القبلية والسلطانية. إن تشجيع القبيلة على حساب المدنية ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو عمل تخريبي مقصود، يهدف إلى إنهاء أي توجه نحو تعزيز أواصر العمل المؤسسي لبناء الدولة الجنوبية العربية الحديثة.

وهنا يأتي إستدعاء السلاطين تحت وهم المصالحة مع التاريخ، وتحت غطاء التنوع والإعتراف بالخصوصيات، في مشهد عبثي يعيد عقارب الساعة إلى قرون خلت، حيث الولاء للقبيلة والسلطان، وحيث لا وجود للمواطنة ولا للقانون ولا للمؤسسات. إنها محاولة لا تُستخدم إلا لجعل المجتمع الجنوبي كتلاً متنافرة، تحكمها العصبيات الضيقة، وتديرها المصالح الأنانية، بعيداً عن أي حلم وطني جامع.

وفي الأعالي، حيث يفترض أن تكون النخب السياسية والثقافية حارسة للوعي الوطني، يصل الفعل التخريبي إلى أقصى درجات دقته. إن المال السياسي السعودي لا يُمنح لبناء المشروع، بل يُمنح لتفكيكه من الداخل. إنه يُغدق على شخصيات ونخب بذاتها، لا لتقوية العمل الوطني، بل لخلق مسارات سياسية موازية، تزاحم المسار الأصلي، وتشتت الجهود، وتُحدث تشويشًا يمنع الوصول إلى إرادة شعبية جامعة.

وهكذا يُقال لهذه النخب: “أنتم المفروض أن تكونوا في قيادة العمل، ولا تسمحوا لشخص فلان أن يدير مشروعكم”، و”أنتم الأحق بتمثيل التنوع”، بهدف التصالح مع الماضي وإعادة الاعتبار للجميع. وهكذا تتحول الساحة السياسية إلى سوق نخاسة فكري وسياسي، يتزاحم فيه الجميع على لقب القيادة، وينشغلون بالصراع على المواقع والمناصب والتمويلات، ويضيع المشروع الوطني في خضم هذه المعمعة من التنافس العبثي.

إن الهدف ليس تحقيق عمل وطني مدني حقيقي، بل خلق أنواع من التشويش والبلبلة، تؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية للمشروع الجنوبي التحرري، وتجعل من المستحيل تقريباً الوصول إلى إرادة شعبية جمعاء واحدة، تعبّر عن نفسها بوضوح، وتفرض وجودها بقوة. وهكذا، يغدو الجنوب أسيراً لفوضاه الداخلية، وعاجزاً عن الحركة إلى الأمام، بينما يجني صانعو هذه الفوضى ثمار عجزه.

إن ما يواجهه المشروع الجنوبي اليوم ليس مجرد خلافات سياسية عابرة، ولا هو سوء تفاهم مع الحليف السعودي يمكن تجاوزه بالحوار الدبلوماسي التقليدي، بل ما يواجهه هو إستراتيجية دولة كبرى، تُحاك ببرودة الأعصاب ودقة المهندسين، وتهدف إلى تحويل حلم دولة الجنوب إلى كابوس لا ينتهي من الفوضى والتفتيت.

ولهذا تصبح سياسة “التوازن عبر الفوضى” هي الأخطر على المشاريع الوطنية التحررية، لأنها لا تقتل الجسد، بل تقتل الوعي. إنها لا تهدم الجدران، بل تهدم اليقين، وتجعل الضحية نفسها شريكاً في إستراتيجية تدميره، من خلال إغراقه في صراعات داخلية لا تنتهي.

وأمام هذا الهول، ليس المطلوب من شعب الجنوب ونخبه ومجتمعه المدني وقواه الحية أن يندب حظه، بل أن يرتقي بوعيه إلى مستوى التحدي. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصدق الجنوبيون مرايا الفوضى التي تُنصب لهم، فيروا أنفسهم متقاتلين متناحرين، بينما هم في الحقيقة إخوة يجمعهم حلم واحد، وقضية واحدة، ومصير واحد.

إن إدراك اللعبة هو الخطوة الأولى في كسرها. وإن اليقظة الإستراتيجية هي السلاح الأقوى في مواجهة سموم التفريق والتفتيت. وإن وحدة الصف الجنوبي، والالتفاف حول مشروعه الوطني الجامع، وحول قيادته الشرعية بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، وحول جيشه العقائدي، هي وحدها القادرة على تحويل “التوازن عبر الفوضى” من إستراتيجية للهيمنة إلى مجرد ذكرى في سجل الصراع من أجل الحرية.

إن التاريخ لا يرحم الشعوب التي لا تقرأ الخرائط جيداً، وهذه المرة، الخريطة واضحة،إما الوعي الذي ينتج النصر، وإما الفوضى التي تنتج العدم.

Authors

CATEGORIES