ثرثرة في زمن الأغنياء (1)

هناك فرق كبير بين من يحلم أن يكون غنياً تاجراً ثرياً من أصحاب رؤوس الأموال وبين من يحلم أن يكون ناجحاً في علمه أو عمله وإن كان بسيطاً وعاش فقيراً ولكنه مرتاح البال وله هدف نبيل يريد أن يصل إليه.

صحيح أنك قد تحتاح من الأول المال لتسهيل عملية نجاحك، ولكن النجاح الذي تناله لا يكون إلا لك وخاصيتك، ولا يمكن أن يقدر أو يباع ويشترى بأي ثمن، ولكن بإمكانك أن تهديه وبالمجان لمن تحب وترضى  وإن كانوا من الأغنياء وأصحاب رؤوس المال الداعمين لك للوصول إلى ما تصبو إليه نفسك من تطلع ونجاح.

نعم هؤلاء الذين أهديتهم نجاحك هم أغنياء ولكنهم داعمون أيضاً وليسوا كالأغنياء المرابين غير الداعمين، هم بمرتبة أكبر من أصحاب النجاح أنفسهم، بمرتبة عليا تصل إلى درجة الفلاح في الدنيا والآخرة، وهؤلاء هم أصحاب الدثور الذين ذهبوا بالأجور، وهم شركاء النجاح في كل عصر ومكان، وهم الذين جمعوا بين حلم الغناء وحلم النجاح، ويحاولون بكل ما أمكن أن يكونوا وقومهم ووطنهم وشعوبهم وأمتهم ناجحين لدرجة الفلاح، يترجمون ذلك بالدعم السخي لكل حلم وطموح يتطلع إلى النجاح العلمي المشرف والعمل الخيري… هؤلاء هم الصفوة ولكنهم قلة في أمتنا، وينطبق فيهم قول الشاعر:

تعيرنا أنا قليل عديدنا  ……. فقلت لها إن الكرام قليل

ومع قلتهم إلا أنهم الباعث الحثيث لكل نجاح كان صغيراً أم كبيراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم شد عضده بهؤلاء القلة كعبدالرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وكانا باعث نصرته وإنجاحه في تجهيز جيش العسرة،  وقد أفلح عبدالرحمن وعثمان رضي الله عنهما، وما خاب عملهما بعد فعلتهما هذه وأصبحا من العشرة المبشرين بالجنة وهذا هو الفلاح والنجاح الكبير، بينما خاب وخسر في زمانه وعهده الأغنياء الأثرياء المرابون في أموالهم والمحتكرون لها والكانزون لها وهم كثر كالوليد بن المغيرة وأبي جهل وزعماء قريش ومنهم أبو لهب الذي خاب وخسر و(ما أغنى عنه ماله وما كسب)، بل إن الأموال والذهب والفضة التي كان يكتنزها هؤلاء ستصبح وبالاً عليهم (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).

خلاصة ما نريد قوله في مقالنا الأول في عمود (الثرثرة في زمن الأغنياء)، إن نجاح الأمة أو نجاح أي قضية أو طموح أو مشروع يراد له الوصول نحو هدفه بخطى ثابتة، يكمن في التطلع نحو الهدف السامي والنبيل بعزيمة لا تلين وإرادة صلبة ودون أي تنازلات، وفي دعم الأغنياء السخي لإنجاح هذا المشروع وإنجازه، كان صغيراً أم كبيراً، وما دون ذلك يصعب تحقيقه إلا بشق الأنفس والتنازلات الكثيرة، وقد تجعل صاحب الحلم أو القضية يضحي ويتنازل بالشيء تلو الآخر ولا يصل إلى هدفه السامي وطموحه النبيل وحلمه المرسوم في مخيلته كما شاء هو إنما كما شاء له الآخرون.

د. أمين القعيطي
٢٤/ ٥/ ٢٠٢١م

Author

CATEGORIES