النفير: من فقه الاستنفار إلى هندسة التمكين قراءة قرآنية – سياسية – عسكرية في التعبئة العامة اليمنية ومعركة استعادة الدولة
لم يكن القرآن الكريم يوما كتاب وعظ فقط، ولا ديوان عبادة فحسب. إنه — قبل ذلك وبعده — دستور أمة، وعقل دولة، ومنهج حضارة. ومن أراد أن يفهم كيف تبنى الأمم، وكيف تدار الصراعات، وكيف تصاغ استراتيجيات البقاء والتمكين، فليقرأ آيات النفير والجهاد في سورتي النساء والتوبة والإسراء. فهي ليست خطابا حماسيا عابرا، بل هي نظرية متكاملة في إدارة الصراع، وبناء القوة، وصناعة الإرادة.
ما بين قوله تعالى ﴿خذوا حذركم﴾ وقوله ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾، تمتد منظومة ربانية محكمة، تبدأ بالاستعداد، وتمر بالنفير، وتصل إلى التمكين. وبينهما تطرح أسئلة كبرى: كيف تتعامل أمة مع التحديات؟ كيف توازن بين الأمن والتنمية؟ كيف تصنع نخبتها؟ وما هو الثمن الحقيقي للتخلف عن الواجب؟ وفي اليمن اليوم، حيث يتقاطع النص القرآني مع الحدث السياسي والعسكري، تتجلى هذه الأسئلة بصورتها الأكثر إلحاحا. فبعد سنوات من التهدئة ومساعي السلام التي استنزفت القيادة الشرعية والحكومة، استغل الحوثيون تلك السنوات لتعزيز قوتهم وتوسيع حربهم على اليمنيين، الأمر الذي دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان التعبئة العامة والنفير الوطني في خطابه المؤرخ 25 سبتمبر، موجها مذكرة عاجلة إلى مجلس النواب في 27 من الشهر ذاته لطلب الموافقة على إعلانها. وبعد ثلاثة أيام، أقر مجلس النواب اليمني هذه الموافقة، لتنتقل الدعوة من الإطار السياسي والشعبي إلى المسار الدستوري والقانوني، استنادا إلى أحكام الدستور وقرار نقل السلطة والقوانين المنظمة للاحتياط العام والدفاع الوطني والدفاع المدني.
هذه اللحظة الفارقة تضع مؤسسات الدولة والقوى الوطنية أمام اختبار الجدية والتنفيذ العملي. فالإعلان السياسي وحده لا يكفي، ما لم يتحول إلى منظومة إجرائية دائمة تنتقل بالبلاد من الحالة السلمية إلى حالة الحرب، وتوجه كافة الموارد والطاقات لصالح الأعمال القتالية. وهنا تتكشف الحاجة إلى قراءة معمقة في النصوص القرآنية، لا بوصفها نصوصا للوعظ، بل بوصفها مبادئ توجيهية لمنظومة التعبئة العامة بكل أبعادها البشرية والمادية والمعنوية.
أولا: الحذر.. فلسفة القوة المسؤولة
﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ [النساء: 71]
تبدأ الآية بنداء الإيمان، لا بنداء القومية أو العرق أو الأرض. وكأن القرآن يريد أن يقول: القوة بلا عقيدة غابة، والعقيدة بلا قوة ضحية. فلا يكفي أن تؤمن، بل يجب أن تستعد. ولا يكفي أن تستعد، بل يجب أن تنفر.
لكن اللافت أن الآية لم تأمر بالنفير مباشرة، بل قدمت الحذر أولا. والحذر في المفهوم القرآني ليس الخوف والانكفاء، بل هو الاستعداد الذكي، والقراءة الواقعية للمخاطر، وبناء القدرات قبل مواجهة التحديات. إنه — بلغة العصر — التخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر، والاستعداد الدائم.
ثم تأتي كلمة ﴿ثبات أو انفروا جميعا﴾ لتضع مبدأ المرونة التكتيكية: لا جمود في مواجهة العدو. فقد تكون المصلحة في الوحدات الصغيرة المتفرقة التي ترهق العدو، وتشتت انتباهه، وتبقي روح المقاومة حية. وقد تكون في الحشد الجماعي الذي يظهر القوة ويفرض الرهبة. والعبرة ليست في الشكل، بل في الهدف والنتيجة.
وهنا تتقاطع هذه الآية مع جوهر ما دعا إليه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، حين قدم التعبئة العامة بوصفها إجراء يتجاوز مجرد تجنيد مقاتلين أو رفد الجبهات، مؤكدا أنها تشمل الموارد البشرية والمادية والمعنوية، ورفع قدرة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأمن على أداء مهامها. فالحذر القرآني — بأخذ الأسباب والاستعداد — هو ما يترجم عمليا إلى بناء منظومة دفاعية متكاملة، لا إلى مجرد التسلح. وهذا ما كرسه الخبراء القانونيون عندما أكدوا أن التطبيق الفعلي لقانون الاحتياط العام يتطلب سلسلة من الإجراءات التنفيذية والإدارية والتنظيمية، من بينها إنشاء قاعدة بيانات وطنية للاحتياط البشري تضم بيانات العسكريين السابقين والملزمين بالخدمة والمواطنين المشمولين بالقانون، مع تحديثها دوريا كل ستة أشهر على الأقل، وإلزام كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية بإبلاغ جهات الاحتياط العام عن العاملين التابعين لها والمنقولين من وإلى مواقعهم. فهذا هو الحذر بعينه: استعداد دائم، وسجلات محدثة، وقدرة على الانتقال الفوري إلى التعبئة.
ثانيا: التثاقل إلى الأرض.. تشريح مرض الأمم
﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ [التوبة: 38]
الآية لا تخاطب الكفار ولا المنافقين، بل تخاطب المؤمنين. وهذا وحده يستحق التوقف. فالمشكلة ليست في وجود الأعداء خارجيا فقط، بل في وجود التثاقل داخل الصفوف. والقرآن — بصراحة لافتة — يسمي هذا التثاقل: الرضا بالدنيا.
إنه تشخيص سياسي واجتماعي بليغ لداء تعرفه أمتنا اليوم: التقوقع حول الذات، والاستكانة للمصالح الصغيرة، وتقديم الراحة الفردية على المصلحة الجماعية. وهذا ما يسميه علماء السياسة اليوم “استنزاف الإرادة الوطنية” ، ويسميه القرآن ﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾.
وهنا يبرز الفرق بين منطق القرآن ومنطق المتخاذلين. فبينما يبحث المتثاقلون عن أعذار للقعود، نجد أن القيادة الشرعية — بعد أن استنفدت كل مسارات التهدئة — أدركت أن الصمت لم يعد خيارا، وأن التثاقل إلى الأرض لم يعد ممكنا أمام مشروع انقلابي يستهدف الجمهورية ومؤسساتها والمجتمع، ويستخدم أراضي البلاد وسواحلها لتهديد اليمن والمنطقة. ومن هنا جاءت مذكرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى مجلس النواب، التي تضمنت المبررات والأسباب التي تستدعي إعلان التعبئة العامة، والتي استند إليها المجلس في قراره الصادر في 28 سبتمبر/أيلول، ليتحول الأمر من خطاب سياسي إلى إطار دستوري يوحد إمكانات مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.
ثم تأتي الآية التالية لتضع القانون الإلهي الذي لا يخلف:
﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾ [التوبة: 39]
هذا ليس تهديدا عاطفيا، بل سنة تاريخية نراها تتكرر أمام أعيننا. فالأمم التي تتخلى عن واجباتها تستبدل بأمم أخرى. والحضارات التي تستسلم للدعة والترف تدفن تحت أقدام غيرها. والله — سبحانه — غني عن العالمين، ولكن الأمة هي التي تدفع الثمن.
وهنا يقف العقل السياسي أمام هذا النص: لماذا يعذب الله أمة تخلت عن النفير؟ والجواب أن التخلف عن النفير ليس خطيئة فردية، بل هو جريمة بحق الأمة كلها. فهو يورث الضعف، ويغري الأعداء، ويسقط الهيبة، ويبدد المكتسبات. إنه — بعبارة أخرى — انتحار حضاري بطيء. ولهذا جاء التحذير البرلماني واضحا: “المطلوب ألا تسبق إرادة الناس قرار الدولة، ولا أن يتأخر قرار الدولة عن إرادة الناس” — وهي معادلة دقيقة تعكس الوعي بأن التأخير في التنفيذ هو أخطر من الإعلان نفسه.
ثالثا: النفير بكل الأحوال.. إعلان التعبئة العامة
﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [التوبة: 41]
هذه الآية هي إعلان التعبئة العامة في الإسلام. لا استثناء فيها لأحد: خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، أغنياء وفقراء. والجهاد هنا لا يقتصر على حمل السلاح، بل يشمل بذل المال، والكلمة الصادقة، والدعم اللوجستي، والإعداد العلمي والتقني.
لاحظ الترتيب: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ — المال أولا، ثم النفس. وكأن القرآن يريد أن يقول: من لم يجاهد بماله، لن يجاهد بنفسه. فالمال هو أول اختبار للصدق. ومن بخل بماله، فهو عن نفسه أبخل.
ثم تأتي الخاتمة الحاسمة: ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾. إنه تأكيد على أن النفير ليس خسارة، بل هو استثمار. خسارة آنية في المال والنفس، ولكنها مكسب استراتيجي في الأمن، والكرامة، والبقاء، والمستقبل.
وقد ترجم قانون الاحتياط العام رقم (23) لسنة 1990 هذا المبدأ القرآني إلى نصوص قانونية ملزمة. فالمادة (34) توجب توجيه كافة المصادر المالية والاقتصادية للبلاد لصالح الأعمال القتالية أثناء التعبئة العامة. والمادة (30) تلزم مجلس الوزراء بإصدار قرارات تحدد التزامات كل وزارة أو مؤسسة أو هيئة فيما يتعلق بالمعدات والوسائل والاحتياطات المطلوبة منها. كما تلزم المادتان (27) و(37) جميع الجهات الحكومية والقطاعين المختلط والخاص بمسؤولية المحافظة على جاهزية المعدات والآليات والمنشآت المشمولة بالاحتياط العام، بينما تفرض المادة (38) على جميع الجهات الحكومية إنشاء مستودعات وتجهيزها وإبلاغ وزارة الدفاع بمواقعها. أما المادتان (28) و(39)، فتقرران أن جميع وسائل النقل والاتصالات والمطارات والموانئ ومحطات الوقود والمستشفيات والعيادات والمجمعات الصحية بكافة أنواعها تتحول إلى نظام المجهود الحربي عند إعلان التعبئة العامة. وتكمل المادة (40) المنظومة بإلزام وزارة الدفاع بإرجاع كل ما سلم إليها من الاحتياط المادي العام إلى الجهات التي قامت بتسليمه عند انتهاء حالة الحرب أو التعبئة العامة، مع تسوية التعويضات والحقوق المالية.
وهكذا نرى كيف يتحول الفقه القرآني إلى هندسة قانونية تدير الموارد، وتنظم الطاقات، وتوجه الاقتصاد نحو خدمة المعركة. وهذا هو معنى ﴿ذلكم خير لكم﴾ في أعمق صوره: الاستثمار في البقاء.
رابعا: المخلفون.. حين يصبح القعود خيانة
﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ [التوبة: 81]
في هذه الآية صورة نفسية وسياسية مركبة. فالمخلفون لا يكتفون بالقعود، بل يفرحون به. ثم لا يكتفون بالفرح، بل يكرهون الجهاد. ثم لا يكتفون بالكره، بل يخذلون غيرهم: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾.
إنها ديناميكية الفساد السياسي كما نراها اليوم: من يتخلف عن الواجب لا يشعر بالخجل، بل يبحث عن مبررات، ثم يحول عجزه إلى دعوة للقعود، ويلبسها ثوب الحكمة والعقلانية. “لا تنفروا في الحر” — أي: لا تواجهوا التحديات، وانتظروا ظروفا أفضل. وهكذا تقتل الإرادة، وتبرر الاستكانة، وتصفى المقاومة.
فيرد القرآن ردا قاطعا: ﴿قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾. إنها مقارنة صادمة بين حرارة الدنيا الزائلة وحرارة الآخرة الدائمة. وكأن القرآن يقول: إذا كنتم تخافون من حرارة الشمس، فكيف بكم من حرارة النار؟ وإذا كان الخوف يمنعكم من الجهاد، فالأولى أن يمنعكم من التقاعس.
وهنا درس سياسي بالغ: التخاذل لا ينتج سلاما، بل ينتج ذلا مؤجلا. والذين يفرحون بقعودهم اليوم، سيدفعون ثمنه غدا. فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين. وهذا ما شدد عليه أحد البرلمانيين حين اعتبر أن “الجدية تختبر في سرعة انتقال الدعوة من الخطاب إلى الفعل، وفي مراكز الاستقبال، وكشوف الرواتب، ورعاية الجرحى، لا في البيانات” . فالمخلفون الجدد ليسوا فقط من يقعدون عن النفير، بل من يفرغون القرار من مضمونه العملي، ويبقونه حبرا على ورق.
خامسا: التفقه والإنذار.. جهاد العقول
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: 122]
هذه الآية تمثل قمة التوازن الاستراتيجي في المنظومة القرآنية. فبعد أن أمرت الآيات السابقة بالنفير العام، جاءت هذه الآية لتضع القاعدة الذهبية: لا نفير بلا علم، ولا جهاد بلا فقه، ولا قوة بلا وعي.
إنها نظرية التخصص في العمل الإسلامي. فليست الأمة كلها مطالبة بحمل السلاح في كل وقت، بل لا بد من توزيع الأدوار: فريق يجاهد في الميدان، وفريق يتفقه في الدين، وفريق يعلم وينذر قومه. والمقصود بالإنذار هنا ليس الوعظ فقط، بل بناء الوعي الجماعي، وتحصين العقول ضد التضليل، وإعداد النخبة التي تقود الأمة.
وهنا درس سياسي عميق: الأمة التي لا تنتج نخبتها الفكرية لا تستطيع أن تحمي نفسها. والأمة التي تهمل العلم لصالح السلاح تتحول إلى آلة بلا عقل، تحرك ولا تحرك، تقاد ولا تقود. فالنفير الحقيقي هو نفير العقول قبل نفير الأبدان.
وقد تجلى هذا المبدأ في الخطوات الإجرائية التي نص عليها القانونيون لتنفيذ قرار التعبئة العامة. فلم يقتصر الأمر على حشد المقاتلين، بل شمل إنشاء سجل الاحتياط المادي العام الذي يتضمن جميع وسائل النقل والاتصالات والمعدات والمنشآت والمرافق الصحية والاقتصادية المشمولة بالقانون، وإعداد خطط مسبقة للاستدعاء والتعبئة تحدد مواقع التجمع ومواعيد الحضور ووسائل النقل، وإصدار اللوائح التنفيذية المنظمة للاحتياط البشري والمادي والتعبئة والتسجيل والاستدعاء والتعويضات والفحص والتفتيش. فالمنظومة — إذن — عقل يدير المعركة، لا مجرد سلاح يطلق النار. وهذا هو التفقه في أدق صوره: فقه التنظيم، وفقه الإدارة، وفقه الاستعداد.
سادسا: الكرة والتمكين.. وعد الله لمن أخذ بالأسباب
﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ [الإسراء: 6]
بعد كل هذا التشخيص، وهذا التحذير، وهذه الأحكام، تأتي الآية لتبشر بالكرة. وهي كلمة تحمل معنى العودة بعد الهزيمة، والنهوض بعد السقوط، والتمكين بعد الضعف. لكنها لم تأت مجانا، بل كانت نتيجة لسلسلة من الأسباب:
أولا: ﴿رددنا لكم الكرة﴾ — والعودة تحتاج إلى إرادة وإيمان وعمل.
ثانيا: ﴿وأمددناكم بأموال﴾ — والمال هو عصب القوة، ولا تمكين بلا اقتصاد قوي.
ثالثا: ﴿وبنين﴾ — والأبناء هم مستقبل الأمة، ولا نهضة بلا أجيال مؤمنة.
رابعا: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرا﴾ — والكثرة العددية وسيلة للرهبة، إذا رافقتها كثرة في الإيمان والعلم والتنظيم.
وهنا القانون الرباني الخالد: التمكين لا يمنح للمتقاعسين، بل يمنح للمؤمنين العاملين. والله — سبحانه — يعطي الكرة لمن يستحقها، لا لمن يتمناها. والكرة ليست صدفة، بل هي نتيجة تراكم الجهد، وصدق الإرادة، وحسن الاستعداد.
وقد وضع القانونيون والبرلمانيون شروطا عملية لتحقيق هذه الكرة. فقد حددت أركان أساسية لنجاح التنفيذ: الجانب المالي عبر تخصيص مخصصات واضحة لرواتب المستنفرين ورعاية الجرحى وحقوق أسر الشهداء، والجانب التنظيمي عبر إنشاء مراكز استقبال معروفة وسجلات موحدة وقيادة ميدانية واضحة يلحق بها كل مستنفر، والجانب الشعبي عبر بيانات تأييد واضحة من الأحزاب وتحرك قواعدها في إطار القانون، إلى جانب دور المجتمع المدني في الإسناد والحشد. كما دعي إلى تحديث اللوائح التنفيذية لقانون الاحتياط العام (1990) وقانون الدفاع المدني (1997)، وإصدار قرارات تنفيذية تحدد آليات الالتحاق وحقوق الملتحقين وواجباتهم.
وقد جرى التشدد على أن التنفيذ يتطلب توحيد جميع القوات والتشكيلات تحت وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، مؤكدا أن المعركة الوطنية تحتاج إلى قوات مسلحة يمنية تحت اسم واحد، وقيادة واحدة، ومهام واحدة، وعقيدة وطنية واحدة، وعلم الجمهورية اليمنية فقط. ورئي أن هذا التوحيد من شأنه جمع الرجال والموارد في اتجاه عسكري وسياسي واضح، ومنع تشتيت المجهود الوطني بين قيادات وتشكيلات متعددة. وهذا هو معنى الكثرة النافعة: كثرة موحدة، لا كثرة مشتتة. كثرة تحت قيادة واحدة، لا كثرة تحت رايات متفرقة.
خاتمة: من فقه النفير إلى هندسة التمكين
إن هذه الآيات القرآنية — عندما نقرؤها بعين فاحصة، وعقل استراتيجي، ووعي سياسي — تقدم لنا نظرية متكاملة في بناء الأمم وإدارة الصراعات. نظرية تبدأ بالحذر والاستعداد، وتمر بالنفير بكل صوره، وترفض التثاقل والتخذيل، وتوازن بين الجهاد والتفقه، وتنتهي بالكرة والتمكين.
لكن هذه النظرية لا تطبق بالأماني، بل بالتضحيات. ولا تبنى بالخطب، بل بالعمل. ولا تورث بالتمني، بل بالاستحقاق. وقد أنتجت التجربة اليمنية المعاصرة نموذجا تطبيقيا لهذه النظرية، حين انتقلت دعوة النفير من خطاب سياسي إلى قرار برلماني، ومن قرار إلى منظومة قانونية وإجرائية شاملة. لكن الاختبار الحقيقي — كما قيل — يبقى في سرعة انتقال الدعوة من الخطاب إلى الفعل، وفي مراكز الاستقبال، وكشوف الرواتب، ورعاية الجرحى، لا في البيانات. فالقرارات وحدها لا تصنع نصرا، ما لم تتحول إلى واقع ميداني ملموس.
وإذا كانت أمتنا اليوم تعيش حالة من الضعف والتشتت والاستكانة، فليس ذلك لأن الله تخلى عنها، بل لأنها تخلت عن شروط التمكين. وما زال الباب مفتوحا: ﴿خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾، ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾.
فيا أمة القرآن: إن أردتم الكرة، فخذوا الحذر، وانفروا بكل صور النفير، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، وتفقهوا في الدين، وأنذروا قومكم، ولا تثاقلوا إلى الأرض. فإن الله — الذي لا يخلف الميعاد — سيعيد لكم الكرة، ويمدكم بأموال وبنين، ويجعلكم أكثر نفيرا. ولكن لا تستعجلوا، ولا تتكاسلوا، ولا تخذلوا. فإن النصر — كما قال الله — مع الصبر، والتمكين مع الصدق، والكرة مع الاستحقاق. والكرة الآن في ملعب التنفيذ، والمطلوب ألا تسبق إرادة الناس قرار الدولة، ولا أن يتأخر قرار الدولة عن إرادة الناس.
“وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا” النور: 55
كتب / محمد العياشي.
