جميلتنا أسيرة

نقطة صغيرة ..
قد تتهافت اليَّ الأنظار صدفةً بينما هي في تخبطها..
وقد لا تشعر بوجودي..
ماقبل1989م.
رأيتهم ينهضون لطلوعها كأنها نادتهم ،لكنها لا تتكلم ولا تهمس..
كأنها داعبتهم لكنها لا تلمس!..
قاموا على عجلٍ _وانا لازلت اجمع النظر_قبل أن يغلق الرزاق بابه، قبل أن يفرق الباري سحابه…كانوا ينشدون..
خطواتهم والطريق..ساروا.. يغنون ألحاناً مترعة بالماضي البعيد… تحييهم اهازيج الشهد على تلك المتون.. فيفرحون….
حملوا ذلك السراج فوق ظهورهم طيلة الظهيرة.. شق عليهم الوقت فاستراحوا…ثم راحوا..يعملون وذاك السراج يبهت..كأن عيناها أصابهما الذبول فهمّت بالغروب…عادوا إلى البيت وكانت جفون الليل تهم بالنهوض ..أُغطِشَ الليل بظلامه.
فرأيتهم يستدلون بالنجم كبوصلةٍ لا تنتظر الانطفاء…
سروا والنجم.. إلى أن هداهم البيت..سامروا القمر بضعاً من الليل ثم ناموا..وضعوا السواعد لترتاح ،وغداً سنصنع الغد…
مرت قوافل الأيام بلا عودة ..اخذت معها كل البضاعة…صالحها ورديئها.. والأجر يوم الحساب..
1990م..
ومثل كل يومٍ وعادة..تأتي ناسجة النهار لتخيط يوماً جديداً على هذه البطحاء…لكن كان هناك قبسٌ من ظلام يحيك ثوباً ابيضاً.. رأيناها فيه كأنها عروس الفجر.. بعدما كانت حورية البحر..تلك أمي التي لم تبخل عليّ بخيراتها وشبابها الذي لا يشيب…
استبدلت تاج لؤلؤها بتلك الربطة البيضاء..فرحنا والبسناها اكاليل ورد “الحسيني” لتتجمل فوق جمالها..وياليتنا لم نفعل….
سرعان ماداهمنا العبوس..تنازعت أيادي الليل على عروسنا الفاتنة..نُهشت في جمالها ،وتحولت تلك الاكاليل إلى قيود..
لاحَ لنا ذلك الثوب الأبيض ثوب عرسٍ لمعشوقتنا..ولكننا ادركنا _في وقتٍ لايُشفع لنا خطأ_ أننا كنّا نتباهى بارتدائها الكفن!!!
..
حاولنا الوصول إلى يديها ..لكنها غدت بلا ايدٍ..ذهبت تلك الغشاوة فرأينا من الهول اعتاه.. لم نكد نعرفها..
اصبحت جثةً هامدة لا أثر للحياة فيها غير صوت الأنين.. مرت عليها أيام السنين..مات الحنين…لكنها لم تمت ..
لم نقف ..حاولنا ومازلنا نحاول تبديد الظلام..لكنه كان قبساً ،فتمكن…واصبح ليلاً تخافه النجوم ،فأنطفأت… لا تتكلم..فقد لا يجدك الصباح غداً.. اردنا الحياة ،فلم نكترث لذلك الدجى الذي لا يترك غير فتاتٍ من اللحم ،وقطرات من الدم على تلك الأرصفة..كنا نرى الواقع أشبه بمقصلة قتلت الماضِ ونهشت الحاضر أمام عيني المستقبل…لكننا لم نمل.. بقينا هكذا على أمل أن نجد الحياة لمعشوقتنا التي عشقها الموت فلم يأخذها ،ولم يتركها …..ولكنني أعتقد أن نبضها الخافت الذي لم يقف كان يحمل روح احدنا عندما عادت إليها..فقد كنا نُقتل بدون تعداد يعد، وما زلنا نتبرع بأرواحنا كي لا تموت…..
هذا ما جرى في ذلك البُعد…لم نكن متواجدين لكننا نحمل تبعاتهم..من هم؟..هم اولئك نفسهم الذين زرعونا في حقول العز والوفاء..لنكون للأرض ومنها.. من حملوا الشمس على ظهورهم واتبعوا هدى النجم في احلك الليالي…لكنهم_وللاسف الشديد_اضاعوا الشمس والقمر ظناً منهم أن سواد الليل سيضيء عتمات النهار!…
2015م…
ازدادت الانياب وتنافست على جسد من كانوا يسمونها “ايقونة الجمال”..حتى أننا لم نعد نرى اي معالمٍ للجمال فيها.. لكن من عاشوا ذلك البُعد لايزالون يرونها جميلة..
نحن هنأ في هذا القسط من الدهر تحملنا فوق طاقتنا..حملنا طوفان الأسى بداخلنا ..حملنا مالا تطيقه رواسي الأرض ولم نميد.. صبرنا وصابرنا النهار بين معتصم ،معتقل ،مقاوم ومهاجم ،وكابدنا الليل بين شهيد وجريح وآخرين لم نجد إلا اشلائهم..كافحنا حتى لاح لنا النور في آخر هذا الفضاء المتعب الذي كنا نفقد الامل في رؤيته
..
ذلك النور الذي اطفأته رياح لياليهم المبهمة ،فأتت شموس الأيام لتشعل منارته كل نهار…
انتهشها ولكننا لازلنا نبحث عنها في ابعاد الغسق لعلنا نجد من بقايا رأسها شعرة…او من حطام عظامها ذرة…
نناديها: ايااا امااااااااه ناشدتك والعودة…
لم ننفكِ لحظة واحدة عن الأمل في سماع صوتها ولو كان قطعاً متخافته…يأست كوة الصبح من حياتها ورسمت تعابير يومٍ تقول فيه: لم يعد لمحبوبتكم وجود !!..
إلا ألم الظلام ،واشجان القيود…لقد ذهبت ولن نتعود…….
كان في داخلنا بضعٌ ذراتٍ من أمل…لن نمل..
سمعنا أوتار لحنها يرتلها البحر العذوب…وذبول مقلتيها لاح لنا عند الغروب..لؤلؤ عينيها في جفون البحر مازال ينظر للقمر …كل ماظهر…صمدنا ولتشهد الأيام أنها كانت ثقيلة بما يكفي لتقصم اسنمة الجبال..لا تضحية الرجال.. يد تحمل نائبات الدهر،ويدٌ تأبى الاحتلال…..
حتى أتى الفرج الشرود… حاملاً تلك الطرود..وباقات الورود..
ريحها روحٌ ولونها الدم الجمود..
جالساً عند ثراها قائلاً لها: عودي للحياة، فكلهم ماتوا…
حبيبك والغريب…يحضنونكِ أخيراً وتأخذينهم في جوف ترائبك فيعود لقلبك لحن الدبيب…
عادت حبيبتنا رغم ما اصابها من الجحيم…خطواتها ذليلة واهنة لكنها ستعدو عمّا قريب…استقبلتها “صيرة” فرحاً بعودتها وزغرد الموج الاهازيج…ونال الشوق من شمسان حتى قرّحت دموعه مُقل الصهاريج… ستعودين يا حلوة العينين اجمل من قبل….
مابعد2017م..
في كل تارةٍ وتارة…ومع كل زيارة…استعادت محبوبتنا قليلاً من جمالها ومازالت تكابر الأيام بصمودها وتحاول انتزاع العافية…
طبطبنا على جروحها ومازالت تتحسن وجمالها يقدح يوماً بعد يوم….رغم نوبات قلبها المتألم….فما كان منا الا أن استقمنا على صراط النبض ندافع عنها شرقاً وغرباً…حتى لانفقدها كرةً أخرى.. ومازالت أيادي الليل تحاول المساس بها إلا أن سيوفنا تقطع رأس الليالي المظلمة قبل اياديها…
مازلنا نتبع ماتبقى من أمل عسانا نراها قد تزينت من جديد…
مازال اكتوبر يُعينُنا ويساندنا بشراراته رغم مانمر به من معاناة…مازال يهمس لنا أن النصر سيأتي ولو تعددت الطرق… يقول لنا في كل مرة أن هنالك 30 يوماً لن نخطها خلف الجدار…
سنخطها على جبين التاريخ لترى الأزمان اننا تحملنا صروف الأيام ومصائبها واعتى عواصفها لنرى وميض الإبتسامة على شفتي جميلتنا فقط…يقول لنا أن نوفمبر لايصنعه من كان مهزوز القوام او متعدد الوجوه او متقلب المواقف والاراء…
نوفمبر فقط يصنعه من تحمل جثمان احبابه مبتسماً على كاهله إيماناً منه انه سيلحق بهم غداً…
وها نحن يا لؤلؤتي… نرتدي البرد ونلتحف السماء ونأكل الجوع لأجلك فقط…حتى لا يمر عليك ما مرّ سابقاً فيسحقك…
نحيا مع الموت كل لحظة…نغادر ارواحنا كي لا يصيبك مكروه.. ومازلنا إلا الآن نكابد كل مُر حتى لا يغادر الرحيق ريقك…
مازلنا ملتفين حول النور الذي انجبته مشاعل المقاومة فهو الأمل الوحيد لتنجو سفينتنا ونعيش معاً على ارضكِ بدون عناء…سعداء…
بإذن الله سيأتي الجبر من بعد الصبر… وما علينا ألا الانتظار والبقاء…ننتظر من نجوم التضحية أن تصنع لنا مجرةً مستقلةً بنا… وعلينا المقاومة والصمود أمام تهاويل الدُجى فهي وإن اظلمت وتجبرت فلن تبقى سوى اساطير و أوهام تحرقها شهب عزمنا…سنبقى لمحبوبتنا وستبقى لنا أبد الدهر وإن جارت الأيام المقبلة وكانت أسوأ من سابقاتها لن تزيدنا إلا حباً لها …ومهما لعنت الشدائد العشق فينا وتمنت الفناء له..لن نقول لها إلا أننا في كل مرة تطلب منا السكوت:
“ننسى أن نموت”
بقلم طالب ثانوي لم يتعدَ زمن الوطنية ..
????️/إيمان سعيد الحشري…
