ما أقسى أن تعيش معلما وتقدم عصارة جهدك لوطنك ثم تكتشف أن الاسقام والعلل قد تمكنت من جسدك وروحك

ما أقسى أن تذيب لوطنك ولأبناء وطنك عصارة جهدك في الحياة كأن تعيش معلمًا، تستنشق غبار الطباشير والفصول الدراسية وتقطع الفيافي وتطلع التباب لتحفر في عقول الطلاب أحرفًا وكلمات لا تزول ولا تنمحي، وتتدرج في التعليم الأساسي والثانوي والأكاديمي في الجامعة، لتكتشف في نهاية هذه الرحلة أن الأسقام والعلل قد تمكنت من الجسد والروح، وأن هذا الوطن لا يمنحك أكثر من إعانة لاتتجاوز 200 ريال سعودي لا تكفي مصروف لدجاجتين، وأنك بلا سكن يقيك وأطفالك زمهرير الشتاء وقيظ الصيف.
إنها رحلة الغبن والأسى على عمر مهدور لقاء هذه الإعانة التي بدأت الآن تأتي كل ستين يوم، حتى لكأنها تحاكي فتيلة مصباح أو جسد أنهكته العلة يعيش لحظات ماقبل الانطفاء.
إن كرامة الأوطان من كرامة أبنائها، والوطن الذي لاتجد فيه حقوقك هو وطن مسلوب الكرامة.
أربعة أشهر في مدينة بونا الهندية، قدمت إليها مريضا، شعرت فيها بدفء وحياة من دفء وطيبة هذا الشعب الهندي، هذا الحنان وهذا الدفء النفسي رغم أنات وأوجاع الجسد افتقدناه في وطننا.
سلام على الهند العظيمة وسلام على (بونا ) الحنونة.
بقلم د. علي غالب حسن الصبيحي
مدينة بونا الهندية.
