الجنوب بين خطي الإمارات والسعودية

الجنوب بين خطي الإمارات والسعودية

في الصراعات السياسية الكبرى لا تُحسم القضايا الوطنية بخيار واحد، ولا تنتصر الشعوب عبر مسار أحادي.

التجارب السياسية في العالم تثبت أن إدارة الصراع الناجحة تقوم على توزيع الأدوار واستخدام أدوات متعددة في الوقت ذاته.

وفي الحالة الجنوبية، يبدو أن اللحظة السياسية تتطلب فهماً أعمق لهذه القاعدة: العمل بخطّين متوازيين؛ خط يحاور وخط يضغط بالشارع.

فالحوار، مهما كان ضرورياً، لا يكتسب وزنه الحقيقي ما لم يكن مسنوداً بإرادة شعبية حاضرة في الميدان.

كما أن الشارع، مهما بلغ زخمه، يبقى بحاجة إلى قيادة سياسية قادرة على تحويل هذا الزخم إلى مكاسب سياسية ملموسة.

من هنا تتشكل معادلة إدارة الصراع: السياسة على الطاولة، والقوة المعنوية في الشارع.

في التجارب السياسية الناجحة، لم يكن التفاوض يوماً بديلاً عن الضغط الشعبي، بل كان امتداداً له.

المفاوض القوي هو الذي يجلس على الطاولة وهو يعلم أن خلفه شعباً يقظاً يراقب ويضغط ويؤكد أن المطالب المطروحة ليست مجرد مواقف سياسية، بل تعبير عن إرادة عامة لا يمكن تجاوزها.

القضية الجنوبية اليوم تقف في لحظة دقيقة من تاريخها. فالحضور السياسي للقضية أصبح واقعاً في المشهد الإقليمي والدولي، لكن الحفاظ على هذا الحضور وتعزيزه يتطلب استمرار العامل الآخر: الشارع الجنوبي. هذا الشارع الذي أثبت في أكثر من محطة أنه قادر على إيصال رسائل واضحة حينما تتطلب المرحلة ذلك.

المشكلة لا تكمن في وجود الحوار، ولا في وجود الحراك الشعبي، بل في الاعتقاد أن أحدهما يمكن أن يلغي الآخر.

في الحقيقة، نجاح أي قضية سياسية يعتمد على تكامل المسارين لا تعارضهما. فالقيادة السياسية تحتاج إلى مساحة للتحرك والتفاوض، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى زخم شعبي يحمي موقفها ويمنحها قوة إضافية.

العمل بخطّين متوازيين ليس دعوة للتصعيد غير المحسوب، ولا للتفاوض المفتوح بلا ضوابط، بل هو إدارة ذكية للصراع تقوم على توزيع الأدوار: طرف يتحرك في المسار السياسي والدبلوماسي، وطرف يحافظ على حضور القضية في الشارع والوعي العام.

عندما تتكامل هذه المعادلة، تتحول القضية من مجرد ملف سياسي إلى حقيقة سياسية يصعب تجاوزها. فالسياسة وحدها قد تُهمّش، والشارع وحده قد يُستنزف، لكن اجتماع الاثنين يصنع ميزان قوة مختلفاً.

لهذا فإن الدرس الأهم في هذه المرحلة هو أن إدارة الصراع أهم من مجرد خوضه. الجنوب لا يحتاج فقط إلى مواقف قوية، بل إلى استراتيجية واضحة توظف كل عناصر القوة المتاحة.

استراتيجية تقوم على خطين متوازيين: حوار يحفظ الحضور السياسي، وشارع يضمن بقاء الإرادة الشعبية حية وفاعلة.

وعندما يفهم الجميع هذه القاعدة، يصبح الصراع أكثر توازناً، وتصبح فرص تحقيق الأهداف الوطنية أقرب إلى الواقع.

Author

CATEGORIES