من أجل الأجيال أعيدوا للمعلم اعتباره وكرامته

لم يخطر ببالي كيف أن تفاصيل صغيرة قد يكون لها تأثير عميق على حياة الأفراد ، لكن أمر حدث فعلاً مع معلم في إحدى مدارس التعليم العام عندما أرسلت له عدة مستندات ليستفيد منها بعض المعلمين في مدرسته تحتوي على إدلة تدريس للمواد ولاحظت أنه لم يستلمها وظننت أنه غير رقم حساب الواتس، وعندما صادفته سألته لماذا لم تستلم المستندات فقالها بمرارة منذُ مدة لم يكن في جوالي رصيد نت لماذا؟ بسبب تأخر الراتب، وهكذا في بلد تحكمه الهوامير واللصوص تتحول الأمور البسيطة التي قد لا نلاحظها في حياتنا اليومية إلى عوائق حقيقية تؤثر على حياة بعض الأشخاص وهذا يعكس هشاشة النظام والحكومة التي تتولى أمر هذه البلاد، هذا دفعني للسؤال كيف نريد لمجتمع أن يتقدم في بلد تُهان فيه كرامة المعلم؟
فمنذُ لحظة دخول المعلم إلى الفصل، وهو يحمل في قلبه أمانة لا تقدر بثمن، أمانة تشكيل العقول وتوجيه الأرواح نحو المستقبل ولكن المعلم في بلادنا يدخل وهو يواجه صراعاً داخلياً مريراً بين شغفه بتعليم الأجيال وبين ضغوط الحياة التي تثقله يوماً بعد يوم كيف يمكن للمعلم الذي يعاني من ظروف معيشية قاسية أن يقدم الأفضل لطلابه وهو يحارب من أجل توفير لقمة عيشه ؟ كيف له أن يكون مصدر إلهام وهو يكابد من أجل تأمين مستقبل أسرته؟ هذا هو الواقع المؤلم الذي يعيش فيه المعلمون في بلادنا، حيث تصبح التحديات اليومية عبئاً ثقيلاً على كاهلهم، فتتساقط منهم طاقاتهم وأحلامهم واحداُ تلو الآخر، حتى ينطفئ ضوء الأمل في أعينهم.
فكلما تأملنا في حال المعلم، نتساءل: أليس هو أكثر من مجرد مُدرس؟ بل إنه الأب الروحي لأجيال المستقبل، والطموح الذي ينير لهم الطريق في عالم مليء بالتحديات، ولكنه عندما يُجبر على العيش في فقر وضيق، كيف يمكنه أن يظل مخلصاً في رسالته؟ حين تصبح أماله وطموحاته مثل جمرات تتناثر في الرياح، فكيف لمن يعاني من تردي الوضع المعيشي أن يحفز غيره على الإبداع والنجاح؟
ولذلك كان الإضراب هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تجلب لمحة من العدل للمعلمين، وهو فعل حقوقي وإنساني بامتياز؛ فالإضراب ليس مجرد احتجاج على ظروف العمل، بل هو نداء يُطلق من أعماق المعلمين للحكومة: امنحونا كرامتنا لأننا نريد أن نكون قادرين على العطاء بلا حدود، ولكننا بحاجة إلى أن نعيش بكرامة أولًا.
وحينما يخرج المعلمون في الوقفات الاحتجاجية إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم، فإنهم لا يفعلون ذلك من أجل أنفسهم فقط، بل من أجل الأجيال القادمة إنها دعوة حقيقية للكرامة، ليس فقط من أجل المعلمين، بل من أجل كل فرد في المجتمع الذي سيحصد ثمرة التعليم في المستقبل٠
الإضراب ليس مجرد لحظة من التوقف عن العمل، بل هو صرخة تحاول أن ترد الاعتبار إلى من أناروا الطريق لعقولنا، لكي نعيد لهم جزءًا من العناية التي يستحقونها.
إن المستقبل الذي يطمح إليه المعلم هو نفسه الذي تطمح إليه جميع فئات الشعب، مستقبل مليء بالفرص، حيث يتحقق لكل فرد حلمه في حياة كريمة، ومجتمع متقدم، وإذا كنا نريد لمجتمعنا أن يتقدم، علينا أن نبدأ من المعلم فحينما يعيش المعلم حياة كريمة، سيتدفق العطاء منه بلا حدود، وسيؤثر ذلك على الطلاب، الذين بدورهم سيشعلون شعلة التغيير في المجتمع بأسره.
بقلم. بلعيد صالح محمد.
