لاءات العام 2020
ما زالت جغرافيا فلسطين، ومنذ أصقاع التاريخ، تواجه حظاً سيئاً للغاية، وقد يكون السبب أنّ سكانها وقاطنيها ومن يدعون ملكيتها يحبّون الصراع على كل شبر فيها، سواء لأنّها أرض مقدسة دينياً أو لأنّها أرض تتمتع بموقع جغرافي مميز، يربط البحر المتوسط بالشرق كله، أم لأسباب أخرى، ولكنها ومنذ غادر الاستعمار العثماني، في بداية القرن العشرين، وبدأت هجرة اليهود إليها بعد وعد بلفور، وتحرّرت معظم الدول العربية من الاستعمار الأجنبي، عن طريق ثورات عربية سعت إلى الاستقلال، علّق الفلسطينيون على الدول العربيّة فشلهم في تأسيس دولة معترف بها، ثم تركوها وولّوا هاربين.
بالطبع، الدول العربية، ومنذ خروج الانتداب البريطاني، لم تدخر جهداً ومالاً وجنوداً لاسترجاع أراض فلسطينية، فدخلت في حرب العام 1948، وشاركت في ساحات الحروب وكذلك في المحافل الدولية، وقدّمت الدعم المادي واللوجستي للفلسطينيين، ولكن المعارك الخاسرة، وتجنّب الفلسطينين المفاوضات مع إسرائيل، وكذلك رفض قبول قرار الأمم المتّحدة بالتقسيم الذي منحهم 43% من أراضي فلسطين، دفعت بإسرائيل التفكير بالتوسّع ومحاولة أخذ المزيد من الأراضي الفلسطينية، وعاد العرب ليقاتلوا مرة أخرى في العام 1967، لكن الاستعداد العسكري الإسرائيلي تفوّق عليهم واستمرّ ليصل أراضٍ في الأردن وسوريا ومصر.
وجهة نظري، أنّه ومنذ أن صعد نجم القوميين وجماعة الإخوان، الذين تدخلوا بالقضية الفلسطينية، بالكلام والشعارات العاطفية، قد جعل القضية الفلسطينية متجراً كبيراً للفساد وجني الأموال والمناصب، فأصبحت “الكظية” هي موضوع الخطب الرنانة التي يمكن من خلالها اعتلاء الشعوب والسيطرة عليهم، ولم نسمع منذ العام 1948 غير التهديد والوعيد للصهاينة والدول الغربية والإمبريالية الأمريكية، والتي أدّت إلى تخويف أبناء الشعوب العربية من هذا الكيان، دون جهد من الفلسطينيين، سواء لحرب تحرير شعبية حقيقية أو للذهاب إلى السلام.
الأخطاء التي ارتكبتها القيادات الفلسطينية بحق الشعب الفلسطيني، خلال سبعين عاماً مضت، لا يمكن تجاهلها، وستظلّ تثير تساؤل الأجيال القادمة، ليست الأجيال العاطفية التي تم عكس الفكرة بعقولها، بل الأجيال التي ستسأل، لماذا لم تبادر تلك القيادات ومنذ العام 1949 بالسعي للحصول على اعتراف الأمم المتّحدة وترسيم الحدود الدولية، وكذلك لم تبادر لقبول أي من مشاريع السلام منذ ذلك اليوم ولغاية العام 1991، ودون إلقاء اللوم على أي من الدول العربية؟.
بين العامين 1948 و1991، ثمة 43 عاماً أضاعت فيها القيادات التي تولت الشأن الفلسطيني 43 % من أراضي فلسطين، سواء بسبب التهييج القومي والإخواني أو بسبب حرب المصالح الشخصية، ولكن المؤكد أنّ السبب الرئيس هو عدم كفاءة أي من تلك القيادات، ولن يأتي “ياسر عرفات” يوماً ليعترف بأنّه قد ألقى كل حمله وحمل الشعب الفلسطيني على “جمال عبد الناصر” وسار خلفه مغمض العينين، ولن يحمل أي من الدول العربية وزر تمسكه بـ”اللاءت الثلاث” والطلب من العرب دعمها، حتى عاد بنفسه ولوحده إلى أوسلو ليتراجع عنها.
لن يقبل العرب، على الإطلاق، أن يحملوا إثم رفض الفلسطينيين للسلام، ولقرار التقسيم منذ العام 1948 لغاية العام 1991، خاصة حين عاد “ياسر عرفات” واعترف بإسرائيل في العام 1993، مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وإنشاء سلطة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولن يدفع العرب أيضاً إثم الذين عارضوا بعد ذلك وما زالوا يعارضون أوسلو أو يمعنون في الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس، وسيتحمل الفلسطينيون وحدهم إثم ووزر عدم تحرير أراضيهم وعدم قبولهم السلام في كل مرة كان فيها متاحاً.
هذه ليست كل المصيبة، فمنذ توقيع إتفاقية أوسلو ولغاية اليوم، ما زال الاستنزاف كما هو، وما زالت الشعارات الرنانة كما هي، وما زال الانقسام الفلسطيني على ما هو عليه، وما زال الفلسطينيون يلقون على العرب كل حملهم، دون أدنى مسؤولية تاريخية، ولم يخرج قائد أو مفكر فلسطيني واحد ليقول “كفى لهذا النزيف وكفى تحميل العرب آثامنا وأوزارنا”، بل على العكس، فحين قامت الإمارات مؤخراً بتوقيع مبادرة سلام مع إسرائيل، غضب “محمود عباس” و”الإخوان” و”تركيا” و”قطر” و”إيران”، ويريدون أن تخطىء الإمارات، ذات الخطأ الذي ارتكبوه، وما زالوا يرتكبونه يومياً بحق القضية الفلسطينية.
الإمارات اشترطت وقف قرار ضم أراضٍ فلسطينية، وقد تحقق ذلك، ومن ناحية سيادية، تسعى الإمارات للسلام مع دول العالم أجمع، ولا شك أنّ علاقاتها الاعتيادية مع إسرائيل ستضيف التطوير الذي تسعى إليه في القطاعات المختلفة، في الزراعة والصناعة والسياحة ومجالات أخرى، كالطاقة والمياه والحماية البيئية وغيرها، وستعيد دول أخرى عربية النظر في علاقاتها مع إسرائيل، على تلك الأسس وهذه الرؤية، سنبقى داعمين للقضية الفلسطينية ولكننا لن نخطَأ الخطأ الذي ارتكبتموه، وأردتم أن نحمل وزره وآثامه.
لا للحرب، ولا لتحمل إثم القضية الفلسطينية، ولا لكل من يتاجر بفلسطين والقدس، هذه هي اللاءات الثلاث التي تؤرّخ للمرحلة القادمة، والتي ستجعل كل فلسطيني يفكر بطريقة صحيحة كيف ضاعت فلسطين، وكيف جاءت دول مثل إيران وتركيا، وأشخاص مثل الملالي وأردوغان وحسن نصر الله وقاسم سليماني وعبدالملك الحوثي وإسماعيل هنية وغيرهم، وجاءت جماعات إرهابية كثيرة، تتاجر بقضيته وتعبث بها، وتضيّع عليه فرصة أن يعيش حياته آمناً مطمئناً مستقرّاً على أرض دولة فلسطين.
