حالمين تودع طبيب أطفالها الفذ د. عبدالقوي محمد علوي
فارس آخر يترجل من أرض المواجهة مع الجائحة في غزوها الثاني للبلاد والعباد ، استشهاد الأطباء في هذه المعركة مثل استشهاد القيادات العسكرية في الحروب الوطنية ، وقد بلغت القلوب الحناجر .
لقد أمست حالمين البارحة على فاجعة كأن لم تشهد قبلها مثلها
وما أكثر المصائب التي تعصف بالبلاد كلها !!
قرأت الخبر في البدء فقلت في نفسي يرحمه الله ، تذكرت من هذا الطبيب الذي لا أعرفه في حبيل الريدة وانا اعرف هناك عددا من الأطباء ؟ لم يكن لي شرف معرفته ولا التعرف عليه ولعل هذا تقصير مني.
مرت الساعات فإذا بالوسط الاجتماعي في حالمين وفي أماكن أخرى ينتحب مفجوعا على رحيل هذا الطبيب الاستثنائي ، مصدوما بالخبر الفاجع.
ازدحمت المنشورات والتعازي والمراثي وألقى الحزن بظلاله
على الصغار قبل الكبار وعلى الأمهات قبل الآباء ، سيطر الخبر على الجميع
وأدركت أن المصاب جلل .
د عبدالقوي علوي كان هذا الاسم يقرع سمعي بين حين وحين على ألسنة القادمين من البلاد مصحوبا بالثناء العطر لكنني لم أهتم ولم اسأل
عمن هو ومن اين هو وما هو تخصصه وفي سنوات الحرب التي لا تزال تطحن الناس سمعت انه كان مديرا لمستشفى حالمين ولكن من غير تفاصيل عنه ، وها أنا اجمع أشلاء صوررته البهية مما كتب عنه وقيل فيه نادما على عدم معرفتي به
وهذا ضاعف حزني وألمي فمن حق هؤلاء الاعلام في مجتمعهم أن نتعرف عليهم وان نرفع لهم القبعات احتراما.
من اول منشور وهو يوصف بطبيب الخير والإنسانية وتارة بطبيب الفقراء والمساكين ومرة بحبيب الأطفال وطبيبهم وغير ذلك
ويبدو أن هذه الألقاب لم تكن وليدة اللحظة فهي قد قيلت فيه وهو حي
يبلسم جراحات الأطفال في هذه المنطقة ويرسم على وجوه الأمهات والآباء ابتسامات الفرج والشكر .
كنت الليلة بصدد تهيئة الحلقة الثالثة
عن مدارس حالمين ونشرها ولكني
أوقفت ذلك حدادا على الطبيب عبدالقوي الذي بكته القلوب قبل العيون.
وصلتني رسائل عدة على الخاص تنقل إلي خبر رحيله مع أن الخبر قد بات معلوما ولا غبار عليه ولا شك في صحته كأن هذه الرسائل تقول لي : اين انت ؟ لماذا لم تكتب او ترث
او تعز ؟ إنه د عبدالقوي علوي فلماذا انت صامت ؟ وهذا من حسن ظنهم بي فقد عرفوني حاضرا بينهم في مثل هذه المواقف ولو من خلال الكتابة .
ااااه ما أصعب واجب الكتابة ! وما أكثر الراحلين الذين يستحقون منا كل تابين وذكر طيب !
لقد امسى الموت يحيط بنا من كل جانب وصرنا نتجنب كل شيء خوفا
من هذا الوباء الذي أقام بيننا ولم يرحل وفي كل يوم يخطف من بيننا ارواحا غالية .
نعد المشرقية والعوالي
وتقتلنا المنون بلا قتال .
مجرد التهاب في الحلق لأي سبب يجعلنا نوسوس ونجزع، والحيطة مطلوبة ولكن الخوف يضر بالأجسام والنفوس أسوأ من الفيروس نفسه .
شهداء في المعارك دفاعا عن الكرامة
وما تحقق جنوبا وضحايا الجائحة على مدار الساعة وغير ذلك من الحوادث والأحداث والنوازل،
تعددت الأسباب والموت واحد .
يحيط بنا الموت حوطا وهو مع ذلك يرشقنا من بعيد بسهامه المصمية التي لا تخطئ بموت من نود ونعز على بعد المسافات.
في الأمس صبحني خبر قبل أن أنام ،
استاذة قديرة في الموصل توفيت
كانت ملاكا يمشي على الأرض
وكانت لنا في الغربة وطنا .
ما يقرب من العشرين عاما كان الانقطاع وعدم التواصل والأخبار ،
لكن خبر وفاتها يعبر الحدود ويجتاز
الفلوات ويخلف في القلب وجعا
وفي الحلق غصصا وتصاعد دعاء .
عذرا أخي الدكتور عبدالقوي فما هذا نعي ولا هو تعزية وان اشتمل عليهما فإنما هو خواطر جريحة في وداع الاحبة وسوء الأوضاع فجرها رحيلك .
الأطفال وما أدراك ما الأطفال
عالم من الحياة والبهجة ومن الأسى والخوف والقلق وقديما قال أهلنا
العيال سلا وبلا ..
والتعامل معهم يحتاج حساسية فريدة سواء كان تعليما او تربية او تطبيبا او غير ذلك وهؤلاء هم الضحايا في كل مرة حين تجتاح الجوائح وحين يتحاور الكبار بالمدافع والدبابات.
قيل أن الأطفال لا يصيبهم الفيروس القاتل ! كيف وهو يحصد أرواح آبائهم وأمهاتهم واطبائهم ومعلميهم؟
فأي مصائب افجع من ذلك ؟
خلق عبدالقوي هدية من الرحمن لأطفال حالمين، فلله ما أعطى ولله ما اخذ وعليه العوض.
في عام 1985م زار الشهيد علي عنتر منطقة حالمين واعتمد فيها عددا من المشاريع وفي أثناء زيارته شوهد حزينا وغير راض فلما سئل عن ذلك قال إن حالمين لم تتطور وتتقدم كما ينبغي فقيل له إن فيها مشاريع طرقات وخدمات ومدارس
وغيرها فقال لا إني رأيت في وجوه
الأطفال بؤسا وتعبا وان رواء الأطفال وسعادتهم هو المقياس عندي .
فياله من حدب مسؤول وياله من قلب كبير اتسع للوطن مساحة وسكانا .
وحين خططت الطريق من الحبيلين إلى الضالع شقا وسفلتة في منتصف الثمانينيات كان مخططا لها أن تمر بعيدا عن حبيل الريدة من جهة الغرب قريبا من الطريق القديمة فأمر الشهيد عنتر أن تمر وسط حبيل الريدة حتى يستفيد منها سكان مركز حالمين وكان ذلك بمتابعة الشهيد محمد عبدالله محسن الجعشاني رحمهم الله جميعا .
**********
عبدالقوي محمد علوي العبادي
مواليد قرية بوران في بداية السبعينيات تقريبا .
تلقى تعليمه الابتدائي في القرية
وأكمل الثانوية في مدرسة الشهيد لبوزة في الحبيلين وبعدها أدى واجب الخدمة العسكرية الوطنية
ليسافر بعدها منحة لدراسة الطب في روسيا الاتحاد السوفياتي سابقا
ليعود بعد ذلك شغوفا بخدمة أهله
في حبيل الريدة ولم يغب عنهم
إلا خلال سنوات دراسة التخصص في روسيا كذلك ليعود هذه المرة طبيبا للأطفال متخصصا.
أدار مستشفى حالمين منذ 2015م
وقدم استقالته قبل عام بسبب تقاعس الجهات المختصة وفسادها وعدم القيام بواجبها إزاء الجائحة في غزوها الأول. وفي هذا العام
وقف وحيدا في مواجهة غير متكافئة مع هذا الوباء وكان يعالج المصابين ويستقبلهم حتى في منزله
فانتقم منه الوباء أشد الانتقام لأنه وقف في طريقه مدافعا.
رحم الله تعالى هذا الطبيب الفدائي
وجزاه عن الجميع خير ما يكون الجزاء . معبرين عن خالص تعازينا
لكل إخوانه واولاد أعمامه وفي مقدمتهم زميلنا العزيز د عادل عبدالمجيد علوي نائب رئيس جامعة
عدن للشؤون الأكاديمية.
والعزاء كل العزاء موصول لحالمين
وما جاورها التي فجعت برحيل طبيب اطفالها المثالي الذي أدرك منذ أول يوم أن الطب رسالة عظيمة وليس تجارة عقيمة .
رباه لقد زلزلتنا الجائحة واختطفت أرواحا غالية وإنا لا نسألك رد القضاء ولكننا نسألك اللطف فيه .
رباه أن البلاد كلها قد أصابها الضر
من الجوائح والحروب وانت ارحم الراحمين.
د عبده يحيى الدباني.
