الحصاد المُر

منصور الصبيحي.

تواتر خطاب الشرعية اليمنية لسنين وبدأ من حيث الممانعة والالتزام واقفًا عند شعار القضاء على انقلاب الحوثيين، باعتبار ذلك واجبًا قوميًا ودينيًا لا يقبل النقض والمساومة، ورابط مشترك يربط كل من تتوفر لديه النية والقدرة على حماية مكتسبات ثورته والذود على أمن شعبه واستقراره، فَجأة وعقِب كل ضربة موجعة تتلقاها من ذات العدو نفسه، إلّا ويتأرجح ثباتها للوراء وبشكل مثيرٕ للشفقة والدهشة، وقد أخذت تنثر تصريحات مسكونة باليأس والإحباط (نحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين)

كٓتبتُ مقالات كثيرة عن الصراع وموقف عاصفة الحزم الغامض، إحداها عنونته (بالحقيقة المُرة لنهاية الصراع مع الحوثيين) ونشر في صحيفة عدن الغٓد في عددها ٢٣٠٨ تاريخ ١٠/٢/ ٢٠٢١م وبعض من المواقع الأخبارية، ونظرًا لأهمية ما تضمنهُ من تنبؤات حول مآلات الصراع اليمني، وما حملهُ من تباشير سيئة بدأت اليوم بوادرها تلوح في الأفق، كان من الأنسب والأقرب تسميته بالحصاد المر، ومن أبرز ما تطرّق له المقال: عن خطورة الدماء التي تنزف من الطرفين وبشكلٕ غير عادٕ ودون حسمٍ، إن هي إلّا عملية فرز طائفي وشهادة زور دامغة يؤديها التحالف العربي باحترافية تامة لصالح الحوثيين، وتنم عن ترسيخ فكر ذات صراع عقائدي طويل الأمد بين اليمنيين، وتحت مظلة الديمقراطية التي كانت حافزًا لاختلال نظام صنعاء وتفككه إلى تيارين متصادمين، تهاوى أحد هما تحت ضربات وضغط الشارع الملتهب والناقم من إدارته لأزمات البلاد، وإصراره على تدويرها وبصورة غير عقلانية أضرت بالعباد، وانعكست سلبًا على اللُحمة الوطنية المهترئة أصلًا، مقابل صعود الجناح الآخر على صهوة جواد السلطة، وبمساعدة شباب الربيع العربي في يومها.

فعزل مجتمع معين من المجتمعات عن واقعه السياسي وحرف مساره، وبالتالي مصادر قراره وإخضاعه لجهة ما إشرافية تتحكم في مصيره وتبطئ من تحرّكه وتحاصر تطلعاته، هي عملية معقدة، ومضنية، واستدراجه إليها يحتاج يمر بمخاضٕ عسير، وحتى تنضج الطبخة وتصير جاهزة يسهل ابتلاعها، يلزمها أن تأخذ قدر كافٍ من التخمير والاشراف والمتابعة من قبل ضامنيها، واقصر الطرق واسهلها لبلوغ ذلك، يبدأ من شيطنة المجتمع والزج به في أُتون من الصراعات والفتن والنزاعات الملتهبة.

إثني عشر سنة من اللا سلم وللا حرب، والأطرف التي تواجه الحوثي بضن أنّها تسير في الاتجاه الصحيح، والظفر به وبمشروعه السلالي ضمانه لنيلها مكاسب سيادية كبرى تحلّق بها على أهدفها، ولا تدرك أنّها تعمل العكس مقدمة خدمة جليلة له، وكلّما طالت المرحلة يتحوّل معها إلى أمر واقع، وفي نهاية المطاف تجد نفسها تؤول بمقابلة بشكل تلقائي مجتمعة ككتلة واحدة، تتحرك وفق خارطة سياسية، حدودها على الأرض رسمت بين الفريقين بريشة فنان ماهر، أكل بعقل الجميع حلاوة كما يقال، وبكل جدارة استطاع عن طريق خلط مزيج من الوان التسويف والتضليل إلى الدمار والدم الفاقع المنسكب على جميع الأرجاء، تأكيد حضوره الإبداعي بقوة، ومؤلِفا بذلك من الشمال وإلى الجنوب لوحة خالدة من المتاهات والأغلال والمصاعب لا تنتهي.

إذا كانت التغيرات الإيجابية نسبة إلى طموحات الشعوب تبارك وترتسم بالإخلاص للمبادئ والقيم السامية وتعمّد بالتضحيات، فالتغيرات القّزِمة تبارك وترتسم بتفكيك محتوى تلك المفاهيم من مضامينها وعكس اتجاهها تسير على خطوط متعرّجة تنضح وتعج بالمؤامرات وبحياكة الدسائس، واخطرها على المجتمعات التأسيس لعمل سياسي ذا طابع ديني عقائدي مختلف إيدولوجيًا ومتناقر ثقافيًا واجتماعيًا، يتحول فيها المسؤول أو النائب البرلماني وكيلًا لله بدلًا عن الشعب، يهدر خيرات البلد ويسخّر مقدراتها لتنمية مصالح مذهبه وطائفته ودعم طقوسها، فيهديها لأنصاره على أنها منجزٍ وطني ذو معنى وقيمة يتقدّم على احتياجاتهم المعيشية.

وإذا سلّمنا بشأن الشرعية عنصرا ذا اعتبارية لا تقبل الشك ويمنع الاقتراب منها، وعلى هذا الأساس يجب التعامل معها كما هي نسبة إلى قيمتها المتحجرة والثابتة في نظر المجتمع الإقليمي والدولي، وما يصدر عنها من هفوات وأخطاء جسيمة متعمّدة تُذل بها المواطن وتزلزل السيادة الوطنية، يتحمّلها الحوثيين، لكونهم أخلّوا بالمبادئ الدستورية للدولة. وعليه ومن منطلق العجز الواضح في الخلاص منهم ودحرهم، فمن البديهي وعلى مستوى المناطق الخاضعة لسطوتهم الإنقلابية وجبروتها، وبات يمارس عليها من الوهلة الأولى حصارًا مطبقًا من جميع الأطراف، أن يسود الإفقار وتشٍح مصادر الدخل، وتضعف الخدمات وتتفشى الأمية والأمراض والأوبئة… عندها يصبح حال سكانها أشبه بحال قطة أليفة في قبضة إنسان قاسٍ ومتعب نفسيًا، كلما أمعن في سجنها وتعذيبها زادت بحكم طبيعتها الغريزية في التودد تحوم حوله، مجبرين على لالتحاق بالجبهات مقاتلين في صف من ذاقتهم يده الأمرين، ليس بهدف التحوّث وإنما بحثًا عن مصادر عيش لها ولأسرها، وشيء طبيعي أن يحدث القتل، فتشيّع الجنائز، ولتنتشر مراسيم العزاء على مختلف الأمكنة، وغالبًا ما يكون ظاهرها المجاملة وتطييب الخوطر وباطنها الدعايات والجذب، وهكذا نصبح أمام تناسبٍ طردي، وبمقابل كل نفس تزهق تتحوث أسرة كاملة وصولًا للعشيرة والقبيلة، وكلما أرتفع عداد أراقام نزيف الدم وتوسعت قواعد، زاد منسوب التأييد للجماعة والعملية تطول وتستمر، إلى أن تتحول إلى مجتمع كبير يقع بين متمردًا ومستثمرًا في التمرد.

وعلى حسب ما تداوله بعض المصادر الغير حكومية عن ضحايا الجماعة، يقع كادنى تقدير في حدود مائة وسبعون الف ضحية من الذين سقطوا فقط بصورة مباشرة من ٢٠١٥م وإلى اليوم، وما يقارب ستمائة الف جريح النصف منها توصف إعاقة دائمة، لو افترضنا مثلًا استنادًا لما يلحظ من استعدادات مكثفة يشاع عنها بغرض المعركة الفاصلة، تحررت صنعاء وبقية المحافظات، كيف لوضعٍ كهذا أن يسمح لسلطة مغيبة عن الواقع ومشكوك في ولاءها، بالتسيّد والقدرة على إرساء دعائم أمن واستقرار للجميع، أفلا يكن هذا مؤشّر على فوات الأوان وصعوبة الموقف؟!، لأن تستطيع الرصاص محو الصورة النمطية المكتسبة للحوثية عسكريًا، ليس لها أن تمحوها كفكرة تنتشر على نطاق واسع، وباتت تمثل بعد اجتماعي وسياسي وانتماء للكثير من تقطعت بهم السبل منذ أن خذلتهم شرعيتهم وتخلّى عنهم الإقليم والعالم، وعلى سنوات من التموضع تمكّنت فيها الجماعة ملء بـ ( اللّه ) الفراغ وتعديل مزاج أولئك، ونسج خيوط ثقافتها العدائية في عقولهم، على أنّها مبادئ ثورية لا تقبل الشك والمهادنة. وعلى هذا الأساس المؤكّد لو قدّرّ وخرجت اليوم مطرودة من الباب، فستعود غدًا من نافذة المصالحة الوطنية نزنولًا عند رغبة الأقليم والمجتمع الدولي في السلام وإغلاق ملف الحرب، وكتحاشٍ لبروز تشظيات وبؤر جديدة هنا وهناك تنتج عنها سلوكيات عدوانية مشابهة، تكون أمام استحاق وطني يُعرض عليها أو بالأحرى يفرض عليها في حينه، وليس لها بدّأ إلا القبول به، يسوّق له إعلاميًا من قبل الراعين وقنواتهم الفاعلة، على أنّه اختبار لمدى حسن نواياها وإيمانها بالعمل المدني الخلّاق، وهو ما سوى منحها فرصة ثانية كي تستعيد عافيتها، وتخرج على الناس تمارس حضورها المعتاد، بلون مختلف عما عرفت به من قبل، لتتمكن من إيجاد توازن سياسي، قائم على الندية وهداية الصندوق الانتخابي.

إذا صح كلام خطير كهذا قد يتسأءل سائل ما المغزى والهدف من وراء انتاج جماعة مسلحة محاصرة اجتماعيًا وسياسيًا، وتحويلها إلى فكرة قابلة للتمدد والحياة؟ الصورة إذا عايناها كما نشاهدها من أمامنا، سنجدها عصيّة على الفهم يسودها الغموض الشديد، ومتكورة على نفسها تكورًا لا تقبل فيه التفكيك لبعد من أبعادها، لكن إذا قاربناها وحاولنا مقارنتها بما جرى ويجري في البلدان التي مسّتها ثورات الربيع العربي، ومن هي على المحك تسير، سنجد التعامل معها أسهل وأسرع، فلا تبعد عن عقد الحكم العربية المختلفة بشقيها المطلقين جمهوري وملكي، وما يدور بينها، ودعاة الحداثة والمدنية ليبرالية وريدكالية، من صراع خفي ومحموم يندلع بين الفينة والأخرى وعلى صعيد كثير من المحطات والجبهات، تمكّنت الأولى أخيرًا، بما اكتسبته من فائض قوة وخبرة في اللعب على المتناقضات والتعامل مع الأزمات، احتواء الثانية وتطويق مشاريعها، طبقا للمثل الشعبي (تغدى به قبل أن يتعشى بك) وهذا هو السبب الذي جعل الكلفة عالية جدًا تصيب حاضر ومستقبل الشعوب بمقتل، ما يدفع الأخيرة في عدد المواقع، إلى قناعة تامة تفضي بها لاختيار طريق التهدئة والسلامة، والقبول بتسوية سياسية تستند إلى محاصصة السلطة بين الأبطال المشاركين في التمثيل واللعب، وعلى أمل تأتي جولات وفرص قادمة، وتبرز متغيرات تكون فيها الأوضاع مناسبة ومهيئة لإحداث تغرة في الجدار، تعيد من خلالها الكرة مرة أخرى، لعلها بأقل الخسائر تتمكن من قلب طاولة اللعب وتحقيق النصر.

Author

CATEGORIES