لمن يطلبون من الجنوب أن يموت مرتين
بعد أن غدرت السعودية بالجنوب، لم يعد هناك مجال للمساومة على الذاكرة. هي لم تخطئ التقدير، بل تعمدت الغدر. قصفت قواته بالطيران في حضرموت والمهرة والضالع، وحاربت رجاله الذين كانوا على تخوم الحديدة يطاردون الحوثي، بينما كانت تفتح الطريق لجيش الإخوان الشمالي ليدخل عدن محراً مزعوماً وهو في حقيقته حارسٌ لآبار النفط وأنابيب النهب.
أضعفت السعودية الجنوب عسكرياً، وحاصرته اقتصادياً، وأماتت شعبه تجويعاً وقهراً في الخدمات. قطعت الكهرباء والماء والمرتبات، وتركت المواطن الجنوبي يتسول لقمة عيشه على أرض تطفو على بحر من النفط والغاز والذهب. كانت سياسة ممنهجة: تركيع الجنوب حتى يقبل بالوصاية، وتسليم قراره وثروته ومينائه لعصابة الشرعية الإخوانية التي جلبتها الرياض بنفسها لتحرس مصالحها وتتقاسم معها غنيمة الجنوب.
واليوم، بعد أن فشل مشروعها، وبعد أن تمدد الحوثي حتى طرق أبوابها، وبعد أن فر جيشها المدلل، جيش الإخوان الشمالي، من كل جبهة وسلم سلاحه ومعسكراته، تتودد السعودية اليوم للجنوبيين. تطلب منهم بلغة ناعمة وبمال ملوث أن يذهبوا ليقاتلوا الحوثي نيابة عنها.
تريد من الجنوبي أن يكون بندقية مستأجرة، يحرر لها الشمال لتسلمه مرة أخرى للإخوان، ليعودوا يحكمون الجنوب من جديد باسم الوحدة، وينهبون نفطه من جديد باسم الشرعية.
أي عقل جنوبي يقبل بهذا الرخص؟
لا يمكن لجنوبي حر، ذاق مرارة القصف السعودي، ورأى جثامين إخوانه تحت ركام الغارات، ورأى أمه تموت في طابور الغاز وأبوه يموت في طابور الدواء، أن يقبل أن يكون حارساً لمن قتله.
الجنوب ليس شركة أمنية تؤجر رجالها لمن يدفع. الجنوب قضية وطن وهوية وتاريخ. من أراد من الجنوب أن يقاتل الحوثي، فليعترف أولاً بدولته كاملة السيادة على حدود ما قبل 1990، وليخرج جيش الإخوان من وادي حضرموت والمهرة، وليعيد قرار الجنوب لأهله، وليعتذر عن سنوات الحصار والتجويع والقصف.
أما أن يبقى الجنوب محاصراً مجوعاً بلا خدمات، ثم يُطلب منه أن يموت دفاعاً عن حدود السعودية وعن مصالحها النفطية، فهذا هو قمة الاستخفاف والاحتقار.
لن نكون وقوداً لحربكم بعد اليوم. لن نحارب الحوثي ليتمكن الإخوان. من أراد قتال الحوثي فليقاتله بجيشه الذي رباه بالريالات لسنوات، لا بدماء أبناء الجنوب الأطهار.
