محاولات لزج بسلفيي الجنوب ومقاتليه في معارك خارج نطاقهم الجغرافي

لا شك ولا ريب أن قتال الرافضة من حيث الأصل يُعد من أبواب الجهاد، لكن هذا الباب كسائر أبواب الشريعة ليس مفتوحا على مصراعيه بلا ضوابط ولا شروط، بل تحكمه أحكام دقيقة، ويُبنى على فقه راسخ للواقع، وفهم عميق للمآلات، فليس كل قتالٍ يرفع فيه شعار الدين يكون محمودا، ولا كل دعوة للنفي تكون في محلها الصحيح.
إن من أعظم ما يجب التنبه له في مثل هذه القضايا هو إدراك أن السياسة في كثير من الأحيان لا تسير وفق ميزان الدين، فهي لا تعرف دينا بل تحكمها مصالح متشابكة، وحسابات معقدة، قد يدفع فيها بأناس بسطاء ليكونوا وقودا لصراعات لا تخدمهم، بل ربما تُستنزف فيها طاقتهم وتُهدر دماؤهم دون تحقيق المقصود الشرعي.
وإذا نظرنا إلى واقعنا، وجدنا أن هناك محاولات واضحة لزجّ سلفيي الجنوب ومقاتليه في معارك خارج نطاقهم الطبيعي، في أراضٍ لا يعرفون تضاريسها، ولا يُحسنون قراءة خارطتها القبلية والعسكرية، ولا يميزون فيها بين عدو وصديق، وهذا في حد ذاته مخاطرة عظيمة، إذ إن الجندي الذي يقاتل في بيئة يجهلها يكون أقرب للهزيمة، وأعرض للاستغلال الخيانة، وفي المقابل، يبرز تساؤل منطقي: أين أهل الجمهورية العربية اليمنية من هذا القتال؟ وهم الذين وقعت أرضهم تحت سيطرة الرافضة، وهم الأدرى بجغرافيتها، والأعرف بتركيبتها الاجتماعية، والأقدر من حيث الأصل على خوض معركة استردادها، بل إن الواجب الطبيعي يقتضي أن يكونوا في مقدمة الصفوف، وأن يتحركوا بكل قوتهم لاستعادة ما سُلب منهم، وأهل الجنوب خلفهم سندا لهم، أما أن يُدفع بأبناء الجنوب ليكونوا رأس الحربة في معركة لا تخصهم بشكل مباشر، بينما يبقى كثير من أهل الجمهورية العربية اليمنية في حالة سكون، أو لا يتحركون بالحجم المتوقع، فذلك يثير علامات استفهام كبيرة، ويدعو إلى إعادة النظر في طبيعة هذا التوجيه، والجهات المستفيدة منه، فالأمر مريب بشكل كبير.
إن القول الرشيد في مثل هذه القضايا هو التوازن، فلا يُنكر أصل الجهاد، ولا يُفتح الباب للفوضى، ولا يُسمح كذلك باستغلال العاطفة الدينية لتوجيه الناس إلى معارك غير مدروسة، بل الواجب هو أن يُبنى القرار على فقه صحيح، ومشاورة أهل العلم والبصيرة، ومراعاة القدرة والاستطاعة، وتقدير المصالح والمفاسد، كما أن من الحكمة أن يتكاتف الجميع وفق أدوار واضحة، أهل كل أرض أدرى بشعابها، وهم الأولى بتحمل عبء تحريرها، وغيرهم يكون لهم دور السند والدعم، لا أن يُقلب الأمر فيُقدَّم من ليس صاحب الأرض، ويُؤخر من هو أولى بها.
وفي النهاية، فإن الدماء ليست مجالا للتجارب، ولا ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بل هي أمانة عظيمة، والمسؤولية فيها أمام الله كبيرة، ومن هنا، فإن أي دعوة للقتال يجب أن تُوزن بميزان الشرع والعقل معا، لا بميزان الطيش والحماس وحده.
بقلم. حسام العدني
