الهوية التي لا تختزل والمطالبة التي لا تجزأ

في ساحة العروض بخور مكسر وقفت نساء الجنوب بوجوههن الكاملة باصوات تعبق بالصدق وقلوب تحمل من الوجع ما يكفي لتوقظ وطنا باكمله، يرفعن المطالب التي لا تحتاج الى تبرير حياة كريمة، كهرباء لا تنطفئ طوال اليوم ، ماء، راتب لا يتآكل وتهبط قيمته الشرائية كل يوم، خدمات تحفظ كرامة الانسان.
كان المشهد انسانياً خالصا نقياً من كل ضجيج السياسة عميقاً كجذر الارض نساء وقفن لا باسم حزب، ولا تحت راية مكون؛ بل باسم جوع مشترك وامل مؤجل وحق مؤكد، كانت تلك الوقفة درساً في كيف يتحول الاحتياج الى نبل والمعاناة الى شجاعة.
لكن وسط هذا النور مر ظل حين رفع علم الجنوب رفع بايد جنوبية حرة كما كان دوماً كرمز لا يشهر في وجه احد بل يرفع فوق الجميع الا ان بعض الايادي النسائية قابلت هذا العلم بالرفض وربما بالتجاوز لا لانهن بالضرورة يكرهنه بل لان الانقسامات التي زرعتها السياسة في النفوس جعلت بعض الرموز تقرأ بعيون الشك لا بعيون الذاكرة.
وهنا لا بد ان نكون صريحين
العلم الذي رفع لم يكن شعاراً سياسياً ولم يكن سلاحاً بل كان وجدان
كان تذكيراً بان من يطالب بالخبز لا ينسى الوطن ومن يهتف بالحياة الكريمة لا يسقط الراية.
الاعتراض على العلم عند البعض، لم يكن مجرد اختلاف في الراي كان لحظة جارحة في قلب من حملوا العلم كرمز للوجود لا كاداة للفرقة
نعم من حق الجميع ان يختلفوا وان يعبروا عن ارائهم لكن لا يجوز ان نصل الى حد انكار حق الاخر في التعبير عن ذاته عن ذاكرته عن هويته.
العلم لا يخص حزباً ولا فئة ولا جهة
هو رمز ام دفنت ابنها على وعد وطن وطفلة نشأت على النشيد الوطني الجنوبي، وطالبة، او موظفة او مواطنة، تحلم بدولة تحميها وتحترمها علم الجنوب هو ظل الوطن حين غاب الوطن.
من يرفعه لا ينكر على احد مطالبه بل يقول ببساطة نحن لا نفصل بين الجوع والكرامة؟ ولا نبدل الهوية برغيف انه لا ينطق باسم طرف بل باسم من اتفقوا واختلفوا باسم من انتموا ومن لم يجدوا لانفسهم مكانا في اي انتماء.
ولذلك فان رفع العلم لم يكن فعل تحد بل فعل حب، حب لما تبقى فينا من هذا الجنوب الكبير المتعب بممارسات الحكومات التي تمثل امتداد لمن أتى بها.
لا نريد ان نصنع من هذا الحادث شرخاً جديداً بل نريد ان يكون جسراً للفهم ان نطالب جميعاً دون ان نجبر احداً على التنازل عن ذاته ان نهتف معاً دون ان نكسر اصوات بعضنا.
ولتبق المرأة الجنوبية كما كانت دائما في الصفوف الاولى صوتاً لا يخاف، وراية لا تنحني وذاكرة ترفض ان تمحى.
بقلم. بلعيد صالح.
