مداخلة على البيان الثقافي الأول لرابطة الأدباء والمثقفين الجنوبيين…

الكاتب: محمد عكاشة..
هل انتهى الإحتلال أم مازلنا نبكي على الأطلال..
البيان ذكر الكثير من مميزات الماضي التليد وحركة النهضة الأدبية والثقافية منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى عشية الإستقلال تلك المرحلة التي يجب أن نصفها بالعصر الذهبي للثقافة الجنوبية لإن كل التوجهات الثقافية فيها كانت حرة غير موجهة من الدولة حيث لم تكن دولة سوى حكم الإستعمار البريطاني لعدن..
الجمعيات الثقافية والأندية الثقافية والرياضية ودور النشر والمسرح والسينما وكل أشكال الثقافة في ذلك الوقت لم يوجه بها الإستعمار ولم يدعمها إنما سكت عنها في إطار الحريات العامة الممنوحة للشعب..
فماذا فعلت دولة الجنوب منذ لحظة الإستقلال وحتى اليوم المشئوم 22/5/1990..
لنلقي السؤال الأهم ..
هل خلق ذلك العصر هوية ثقافية جنوبية ؟
فماذا سنجيب عن السؤال سلبا أو إيجابا؟..
لنعلم أولا أن الإستعمار لم يرد خلق هوية ثقافية جنوبية في ذلك الوقت وكانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها للهجرة الثقافية استفاد منها الجنوب أو لم يستفد كانت في الإطار المهمل من التوجيه واستوعبت كل ماذكرتم من مؤسسات ثقافية كل جنس مهاجر دون إن يعمل ذلك الجنس في إطار الهوية الثقافية الجنوبية تلك الرموز المهاجرة استفادت هي من النهضة الثقافية الجنوبية ولم يستفد منها الجنوب حيث احتلت عقلياتها نمطية الفكر الدخيل وفرضت على المجتمع الجنوبي نمطية فكرها القبلي المدمر والحنين إلى عبادة عجل أصلها مهما بعدت عنه..
وهناك حدث التراخي من الطبقة المثقفة نتيجة لإستيعابها فكر تحرر أرض غيرها حقيقة لاشأن لنا بها وأصبحت تلك القوى لها صحفها ومنتدياتها ولكنها بطابع يمني ..
وخلق ذلك جيلا جنوبيا وصل عشية الإستقلال إلى حمل فكر اليمننة فكانت النتائج كارثية على الهوية الثقافية الجنوبية إذ لاتوجد من العقول النيرة في كل المؤسسات الثقافية من تفرض الهوية الثقافية الجنوبية فقط داخل عدن وكانت في منتهى الضعف استطاع الحوت اليمني المهاجر إبتلاعها..
أيها السادة..
إننا نبكي على أطلال ماضينا لم تستطع تلك المؤسسات الثقافية الحفاظ عليه في إطار خلق هوية جنوبية حقيقة ومازالت جارية بعد الإستقلال بل وصلت إلى مرحلة الشناعة أن المؤسسات الثقافية يديرها المهاجرون واللاجئون فبدأت مرحلة إستئصال النتاج الثقافي الجنوبي المتواضع بتوجيه مشين من رأس الدولة ..
هذا النتاج الثقافي الجنوبي البسيط ماكان له إن يصل إلى مرحلة النسف والتدمير لولا وجود تراخي تلك المؤسسات التي لم تستطع من خلق بوتقة ثقافية ينصهر فيها المثقف الجنوبي شرقا وغربا وكانت عدن بمعزل عن بقية المناطق استطاع المهاجر اليمني غزوها بكل سهولة..
بعد الإستقلال أصبح المهاجر اليمنى على هرم الدولة الجنوبية فدمر ماستطاع في ظل عقلية جنوبية هشة زادت من وتيرة الإيمان بحركات التحرر العربية والعالمية وأصبحت المنتديات الثقافية لاتخلوا من فكر القومية ودعم حركات التحرر وصلت إلى بيت الثقافة الشعر والقصة والمسرح والمكتبات ولم تنزوي في مؤسسات الدولة السياسية وحدها.. بل توجهت بشكل غزو فكري رهيب وما من ندوة ثقافية كانت تقام إلا ويتم ذكر حركات التحرر ودعمها على مستوى الشعر والمقالة الأدبية والمسرح بتوجيه رسمي من الدولة قادنا إلى نفق الوحدة المشئوم..
رغم أن الإستعمار البريطاني في زمنه قد تركها حرة ولكنها لم تحسن استغلال تلك الحرية لخلق هوية ثقافية جنوبية.
التوجه السياسي ودورة في تدمير الهوية الثقافية والإجتماعية الجنوبية…
منذ اللحظة الأولى لرفع علم جمهورية اليمن الجنوبية دون وعي وإدراك لما يترتب عليه ذلك التوجه الذي أخرج أرضا كبيرة المساحة بعددها السكاني القليل من هويتها الأصلية وإلحاقها بالهوية اليمنية والتي هي نفسها لم تكن وليدة التاريخ القديم إنما لايتجاوز عمرها في ذلك الوقت عن السبعين عاما دون إدراك لما يترتب عليه مستقبل ذلك النهج الذي أزاح رجال الهوية الجنوبية وأدخل بدلا عنها العنصر اليمني المهاجر فبدأت حركة الإستئصال كان العنصر الجنوبي مشاركا فيها وبفاعلية تحت تخدير فكر القومية العربية..
ونقولها حقيقة ذلك الفكر لم يؤثر على المجتمعات العربية وخصوصا في مهدها الأول مصر وسوريا إذ لم تستطيع هاتان الدولتان التعايش مع بعضهما لإكثر من ثلاث سنوات وبقيت كل دولة محافظة على هويتها وانزلقنا نحن تحت يافطة الوحدة قدر ومصير الشعب اليمني دون أن ندرك ماهو قدرنا القادم لشعب لايتجاوز تعداده اثنين مليون نسمة مع شعب تعداده تسعة مليوم نسمة..
بل وأجزم أن النخبة السياسية الجنوبية كانت تدرك التركيبة السكانية القبلية المتخلفة في الشمال لكن الأمر طغى مع العنصر المهاجر على إعتبار ثقافة ذلك العنصر مع الثقافة الجنوبية كفيلة بتغيير عقلية المجتمع اليمني ولم يدركوا أن تلك العقلية عمرها ألفي عام ولايمكن أن تتغير بحركة ثقافية هجينية لبضع وعشرين سنة لم تخلق الهدف المرجو في الشمال ذات الثقافة القبلية المحنطة منذ عهد السبئيين..
إلى أين قادتنا تلك المرحلة لو تنظر جليا أن الطالب في المدرسة شغوف بترديد الشعار الصباحي بالروح بالدم نفديك يايمن.
ولنناضل من اجل الدفاع عن الثورة اليمنية وتنفيذ الخطة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية في الوقت الذي لايعمل بهذا الشعار في مناطق اليمن صنعاء وغيرها كان أصل الحكم عشائريا حتى هم بأنفسهم لم يكونوا يريدون الوحدة مع نظام وقانون راقي أخرج أعراف القبيلة ووضعها في الحضيض وأسس على أنقاضها دولة النظام والقانون كان له أثر في مستعمرة عدن فساد مناطق الجنوب بالتجربة الراقية وما كان يفسدها سوى اليمننة وفكر الحزب الإشتراكي وإيديولوجيته التي من أسس أدبياته النضال من أجل الوحدة اليمنية واليوم صارت أدبياته الحفاظ عليها..
ولم يكن الحزب الإشتراكي صاحب الموسسات القانونية والنظامية الشعبية بل ورثها عن النظام البريطاني ولو لم يوجد نظام وقانون لما استطاع الإشتراكي تطبيقه على الواقع فالشعب ذو عقلية نظامية وقانونية من قبل الإستقلال..
إشكالية التعليم في الوقت الراهن ومقارنته بالماضي..
التعليم في الوقت الراهن لايقارن بالماضي لما ساده من أساليب التجهيل المتعمدة من قبل الإحتلال فلو قارناه بالماضي لكان الماضي قبل الإستقلال هو العصر الذهبي للتعليم ومابعد الإستقلال هو العصر الفضي أما في الوقت الراهن لايعدوا كونه بخارا يتبخر في الهواء دون فائدة..
المعلم الذي يتخرج من كلية التربية في الوقت الراهن لايساوي ثانوية عامة قديمة والثانوية العامة القديمة لاتساوي إعدادية قبل الإستقلال فانتشرت مناهج التجهيل بشكل فضيع ..
حيث كانت المناهج قبل الوحدة راقية إلى حد ما فمثلا اللغة العربية فيها ثلاث مواد.. الأدب والقراءة والنحو ولكل مادة كتاب وتم شملها في الوقت الراهن في كتاب اللغة العربية واحدا أصبح الأدب والنصوص مجرد أنشودة يدرسها طلاب الثانوية العامة كما كان يدرسها في الماضي طلاب الصف الثالث إبتدائي والنحو مجرد هامش لإزالة الحرج في درس القراءة لايكاد يفهم منه المعلم شيئا فمابالك بالطالب والمعلم للإسف لايجيد إعراب جملة بدائية وهكذا أصيب هذا الجيل بالتجهيل المتعمد فطالب في الثانوية العامة لايجيد الإملاء بصورتها الصحيحة..
وكذلك مادة العلوم كتاب واحد حوى ثلاث مواد غزيرة في علومها هي الأحياء والكيمياء والفيزياء..
وكذلك اللغة الإنجليزية التي كانت في الماضي عبارة عن كتابين القراءة والقواعد..
المعلم اليوم خريج بكلاريوس إنجليزي يسهب مع الطلاب في معاني الكلمات متجاوزا قواعدها وكأنه لا أهمية للقواعد عنده وما على الطالب إلا أن يحفظ الكلمات وليس ملزما أن يفهم قواعد اللغة وكيفية بنا وتركيب الجملة ..مع أنه يمكن للطالب ان يشتري كتاب حاوي لمعاني الكلمات ويحفظ مايريد..
أيها السادة هذا إسهاب مني أشبه بالحزن لما وصلت إليه العملية التعليمية وتخريج جيل فاشل يصل إلى مبتغاه بالغش ومعلم لايقوم بواجبه بل يجهله فأصبح الغش في نظره ضرورة مالم يستطع عليه وأصبح فاقد الشي لايعطيه قد يقول قائل وضع المعلم المعيشي صعب فأقول كان قبل عشر أو خمسة عشر عاما وضعه أفضل والعملية التعليمية هي هي محلك سر..
أيها السادة..
إن ثقافة المجتمع لاترتقي إلى العلا إلا بالتعليم وقد أصبح التعليم بهذا المستوى فكيف لجيل اليوم أن يتسلح بالثقافة والمعارف كيف تريدونه أديبا يكتب القصة والنثر وهو لايجيد أبسط مقومات اللغة..
بعض الشباب يمتلك ملكات شعرية رائعة لكنه يصطدم بحاجز التعليم المتدني فيستحي أن يكتب قصيدة باللغة الفصحى خشية من النقد فيلجأ لكتابتها باللهجة الدارجة وهذا هو السائد حيث لانقد للشعر العامي..
الخلاصة التي تريدونها هي إيجاد ثورة ضد فساد التعليم الذي أوصل شبابنا إلى هذا المستوى المتدني الذي سيحبط عليكم كل ماتريدون القيام به من ثورة ثقافية ومعرفية تعيد الهوية الثقافية والإجتماعية الجنوبية إلى الواجهة بصورة مستقلة عن الهوية اليمنية التي نقلت كل مساوئ الثقافة والتعليم الرديئ إلى المجتمع الجنوبي..
كيف يمكنكم من إيجاد نهضة ثقافية وفنية وأدبية في ظل سطوة دولة الفساد دولة الجهل والأمية إلا بوسيلة واحدة وهي إنعاش الحركة الثقافية والمعرفية بمعزل عن الدولة التي لايعنيها شي سوى إستمرار الفساد وشيوع الجهل والإرهاب الفكري والثقافي ..
فشخص ما على هرم الثقافة والأدب يرى مالا ترون إنه فكر فرعوني أي تسييير أفكار الناس بالريموت وعمل تنويم مغناطيسي للإبداعات فلايبدع المبدع إلا بحسب ماتطلبه دكتاتورية الأدب والثقافة ولا أدب ولاثقافة ولامسرح ولافن إلا بإستقلال الجميع ضمن مؤسسات مدنية خاصة لاتخضغ للدولة كما هو الحاصل في الدول الراقية التي أحدثت ثورة ثقافية وعلمية لن تحدث إلا بإستقلال الإبداع والمبدعين وهذا يتطلب إستثمار ثقافي وأدبي وفني بفتح المسارح وتأسيس فرق التمثيل وبناء المكتبات الثقافيةودور السينما وتشجيع الفنانين والأدباء بالإبداع والذي لن تصلوا إليه إلا بوجود موجهين ومستثمرين من أكثر رجال الأعمال وعيا وثقافة ومعرفة غير ذلك فكأنما تحرثون في البحر مع دولة فاقدة لوجودها السياسي والسيادي فما بالكم بالثقافي..
الخاتمة..
هذه هي مداخلتي عن تأسيس الرابطة الأدبية الجنوبية وبيانها الثقافي الأول وآخر نصيحة أوجها لكم بأن الثقافة والأدب وأنواع المعارف ليست كناقة تعقلها بحبل كي لاتضل طريقها..
فالثقافة والأدب وأنواع الفنون لاعقال لها فعقالها الحرية ومتى ماربطتم أعناقكم بالدولة والمنظومة السياسية فقد قيدتم أنفسكم بحبل لافكاك له..
فكونوا أحرارا في صنع الغد الآتي والدولة تشجع المواهب لكنها لاتصنعهم ولن تشكل لكم فرقة فنية ومسرحية حرة التنقل والإبداع.. ولن تبني لكم دور النشر ودور السينما فالثقافة الموجهة قد ولى زمانها وماخلقت لكم شيئا بقدر ما أوصلتكم إلى هذه اللحظة من الفشل والركود ناهيك عن الحرب المتعمدة لتدمير الهوية الثقافية والإجتماعية الجنوبية.
فهل وصلت إليكم رسالتي..
