العُكيمي.. عشقٌ للطبيعة وشَغفٌ بالجمال

العُكيمي.. عشقٌ للطبيعة وشَغفٌ بالجمال

لعلها المرّة الأولى التي أتحدث فيها عن شاعر من شعراء حالمين المعاصرين الذين مازالوا على قيد الحياة، فقد أرجأت الكتابة عن الشعراء المعاصرين حتى أستوفي شعراءنا الأقدمين رغبة في التوثيق لموروث أوشك على الاندثار ،ولكني صادفت اليوم قصيدة لشاعر جميل، وعلم بارز من أعلام الشعر الشعبي في حالمين، لطالما سمعنا قصائده الغنائية بصوت الفنان الشعبي /علي صالح اليافعي، إنه الشاعر الكبير الوالد /محمد أحمد العكيمي (أطال الله عمره).
القصيدة التي استوقفتني لهذا الشاعر هي قصيدة بعنوان (نهاية العمر) يقول في مطلعها :

ليش يالجسم ويلك بالهرم تعتقلني؟!
ليش تقسو وتجعلني من الناس منزوع؟!

لا بيسأل عليَّ حد ولا يفتكرني!
داخل البيت مثلي مثلما أي قرفوع!

كم تمنيت من قلبي وربي يخذني!
ما اقدر أبقى على الدنيا ولو مدة اسبوع

هاهي الفانية هدّت بنِا كل مبني
كل شي بالجسد بيقول لي أنت مخلوع

قلّي الوِهن والسمع اختفى داخل اذني
كل مفصل من اعظامي مورّم وموجوع

منتظر للنهاية والألم يعتصرني
مثلما طفل في غابة من الوحش مفجوع

-إنه يشكو الجحود والتناسي في زمن لايكترث أهله بالإبداع والمبدعين، ولكن قرّ عيناً أيها الشاعر العظيم،فثمة الكثير مازالوا يتذكرونك ويطربون لقصائدك المغنّاة، إذ كيف لهم أن ينسوا شاعراً عظيما مثلك؟! مازالوا يتغنون بقصيدك الخالد:

يامسقط الرآس هل عاد أرجعش؟!
وياترى هل تطأ رِجلِي ثَراش؟!

هل ترحمي من بدمعه ودَّعِش؟!
سافَر ودمعه يشِن مثل الرّشاش

أهواش.. أهواش.. أهوى مرتَعِش
أهوى التراب المُبعثر والقُشاش

والله لوما يقولون ارتَبَش
لرعَى الشّجر مثلما ترعى القُراش

-العكيمي شاعر تعلق بالمكان وتوحد معه، وقد أحب موطنه حتى أنه ولفرط تعلقه به هَمَّ أن يرعى الحشائش التي تنبت فيه كما ترعى الماشية لولا أنه خاف أن يُتَّهم بالجنون.
-الشاعر الكبير الوالد/محمد أحمد العكيمي شاعر يتميز برهافة الحس وترف الشعور، وقد عاش جل عمره مغترباً في المملكة العربية السعودية، لكنه ظل حنّاناً إلى مسقط رأسه (وادي بَنا) هذا الوادي الآسر الذي يعد منبعا من منابع الجمال الزراعي في حالمين، وقد أثرت هذه البيئة الخلابة في شعر العكيمي فأصبح قصيده قطعة سندسية وارفة الجمال، شأنه شأن شعراء المهجر اللبنانيين من رواد المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي، ومثلما خاطب الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي بلبلاً صداحا :

يا أيها الشادي المغرد في الضحى
أهواك إن تنشد وإن لم تنشدِ

طوباك إنّك لاتفكرُ في غدٍ
بدءُ الكآبةِ أن تفكّرَ في غدِ

خاطب العكيمي طائراً توحد معه في الشعور :

ياطير أنا شاعر من اطباعك تعلمت الغزل
لو(منت) والما والشجر ماقلت شعري في البنات

مالي أراك اليوم تهوى العش وتحب الكسل!
كأن تفكيرك بيستعرض شريط الذكريات!

ترجف وبتنقّم جنوحك ليش جاوبني وسل
كلما فعلته في جنوحك يعتبر تأنيب ذات!

ياطير هل حبيت؟ هل فارقت؟ هل ياطير هل
هل كان لك إخوان في عمرك وكانت لك خوات؟!

هل كان لك ياطير عصفورة جميلة لا تُمل
وكنت تؤخذ قلبها منها وهي بتقول هات؟!

أكيد ما بتجيبني لو قلت لك مليون هل
لكن تفكيرك بباب العش يوحي بالشتات

أرجوك سامحني إذا تدخّلت في مالي دخَل
قطعت قلبي حين فارقت الطيور السابحات!

-لو (منت): أصلها (لو ما أنت) أسقط الألف والهمزة لضرورة الوزن.

-هذه الأبيات تعكس لنا شاعرية فذة يمتلكها العكيمي حيث استخدم تقنية حديثة في الشعر نسميها في علم النقد :(المعادل الموضوعي) فقد اتخذ من هذا الطائر معادلا موضوعياً لذاته، فهو لايتحدث عن الطائر إلا لأنه أراد أن يتحدث عن ذاته، فهذا الطائر غريب عن سربه وكذلك الشاعر بعيد عن أهله ووطنه، وقد جلس هذا الطائر وحيداً بباب العش يستعرض شريط الذكريات، يرجف ويعبث بجنحيه وكأنه يؤنب ذاته، وقد حاوره الشاعر من خلال الاستفهام الذي يحمل في طياته الكثير من المشاعر التي تستوطن قلب الشاعر قبل قلب الطائر، والصورة التي رسمها للطائر صورة بصرية بديعة لا تتأتّى إلا لشاعر مرهف الحس، شرب من نهر البيان حتى ارتوى.
-هذا هو شاعرنا الكبير الوالد/محمد أحمد العكيمي، شاعر طرق معظم الأغراض الشعرية فكان شاعر المرأة والحب والجمال، شاعر الشعب والوطن، شاعر الطبيعة بسهولها وأنهارها ومراعيها، وسأختم مقالتي هذه بقصيدة قالها بعد أن تقادم به السن ،وأنهكه المرض، لكنه ظل قلبا متشبثاً بالحياة ،وقد تجلى لنا في هذه القصيدة شاعراً مشبّعاً باليقين، يطفح إيمانه وينسكب نهراً من بين السطور والكلمات، وفوق ذاك فهو مزوّد بثقافة دينية إسلامية تبدت من خلال استعراضه لعالم البرزخ ،وذكره لشخصيات إسلامية، والمعجم القرآني كان له حضور طاغٍ في هذا النص :

محمد قال يا أرض الوطن هل عاد لي نظره؟!
وبا زور المساكن لوَّلَه وتذكر الآثار

ذكر قلبي لُعب متميزة وطفال في عمره
ذكرها وستهلّت دمعته فوق الخدود انهار

كم انتي غالية يا أرض فيك النهر والخضره!
مع الشاعث أحلّق في السما وهبُط مع الأمطار

أبِي روحي تحلّق في سمائك تعتلي مرّه
وبرسم كل شي بالروح وفعَل له نصب تذكار

نعم متعشني وعطيشني عشرة على عشره
ولكن قبل ما افرح بالنتيجة جاءني لنذار

أتى رآسي نذير الشيب ورجولي بهن عثره
وضعف الذاكرة والجسم يتعطّف بدا ينهار

فقط ماباقي الا اللمس ذي بستعمله كثره
وسيلة كل شايب حين يبغى البحث والدوّار

وداعاً يالعُمُر با أودعك بالحزن والحسره
دموعي حيلتي فيما قضى به خالقي وختار !

تملّكني الندم ليت العمر بيعوّد الكرّه!
وليت الموت يقبل من محمد واسطة وعذار !

تذكرت المراجز والبرَع والقات والسمره
ولا لي من تذكّر اخوتي غير الدموع الحار

إذا عدّدت موتى خُبرَتي تمسكني العبره
مكان اصواتهم بذنِي وهم يتبادلوا لخبار

إذا ما قلت وين فلان؟ قالوا ذاك هو قبره
ونا بُكرة يجهّزني المغسّل لارتداء الكار

أتاك الحسم شد العزم يا القابض على الجمره
تثبّت واستعدَّ للإجابة قبل لستحضار

تذكّر هادم اللذات لاتغفل على ذكره
تذكّر قسوة الموت التي تشخص لها الأبصار

تذكّر عندما بيّمّنوك الأهل في الحفره
ولا لك غير ما قدمت في الحفرة يكون الجار

إذا ماقال (مُنكر )من إلاهك؟ قلت ذا القدره
وما شآن الرَّجُل؟قلت الرسول الخاتم المختار

هناك الروح تصعد نحو خالقها كما الدّرّه
تحييها ملائكة السما وتقول نعم الدار!

إلهي بستغيثك وسألك بالعرش والسُدره
بنورك ذي بسرّك ونت نورك نور للأنوار

أبِي شربة هنيّة من إمام السيرة العطرَه
وريد أسعد بصحبة سيّدي ذي رافقه بالغار

أبِي شوف الحسن وحسين وآشوف أمي الزهره
وهم فوق الأرائك عالأَسِرّة في ظُلَل ونهار

أريد أسما عظيمة عاملة وسط الكَبِد وقرَه
علي خالد عُمر عثمان عُقبة جعفر الطيّار

-أطال الله عمر شاعرنا الكبير/محمد أحمد العكيمي، ونسأله تعالى أن يمن عليه بالشفاء، فهو الشافي لكل الأسقام.

بقلم/ عبدالحميد الأعجم .

Authors

CATEGORIES