كيف يزوّر البعض التاريخ

ذكرت في كتابي الأخير ثلاثية أولاد عدن والجنوب – الجذور القوية” أن الجنوب العربي ليس يمنياً لسبب بسيط أن الكيان اليمني تم إشهاره رسمياً في عام 1918م بإسم “المملكة المتوكلية اليمنية”، ولم يكن هناك أي بلد إسمه اليمن قبل ذلك التاريخ.
ولكن البعض يأتي بأحاديث للرسول صلّ الله عليه و سلم ذُكر فيها اسم اليمن، ويأتي آخر ليقول أن هناك في الكعبة المشرّفة الركن اليماني!
سأحاول أفسر للجميع أنه فعلاً لم يكن هناك كيان على الأرض إسمه “يمن”، وكلمة “يمن أو يمان” باللغة العربية تعني “جهة الجنوب”، مثلاً إذا قال أحدهم: أن بيتي يمن أو يمان بيت والدي، فالمقصود هنا بيتي في الجنوب من بيت والدي، و ما ذُكر في الحديث الشريف :
“أتاكم أهلُ اليمنِ، هم أضعفُ قلوبًا، و أَرَقُّ أفئدةً، الفقهُ يمانٍ، و الحكمةُ يمانيَّةٌ”، فيحكي التاريخ أن اهل اليمن الذي ذهبوا لرسول الله هم من القبائل الجنوبية الكِنديّة، وقد جاءوا من الجنوب، و قِسْ على ذلك كل ما ذُكر عن اليمن ككيان.
أما عن ما يُسمى بالركن اليماني في الكعبة، فهو كذلك يُسمى أيضا بالركن الجنوبي، لأن أركان الكعبة الأربعة تُشير للإتجاهات الأربعة، وهناك الإتجاه الشامي والمقصود به الشمالي وليس السوري.
هذه الأمثلة أسوقها لأُبيّن للجميع أن هناك الكثير ممن يزوّرون التاريخ ليصب في مصلحتهم، فمثلاً في الأيام الماضية قالت وكالة “الاناضول التركية” (القسم العربي) الذي يديره جماعات الإخوان المسلمين في تغريدة لهم:
(نكاية بتركيا، دعوات للعبث بالحرم المكي وإزالة الرواق العثماني، من الغريب المريب أن نجد من يتمنى إزالة معلم من معالم عمارة المسجد الحرام، لا لشيئ سوى لأن هذا المعلم ارتبط تاريخياً ببناته، وهم سلاطين الدولة العثمانية ومنها أخذ إسمه (الرواق العثماني).
وبعد ذلك انهال الكثيرون من العرب المسلمين بالردود على وكالة الأناضول التركية ووضّحوا لها بأنها تزوّر التاريخ، وأن الرواق العثماني لم يشيّده الأتراك، وانما إكتسب أسمه من سيدنا عثمان بن عفّان.
عندها شعرتْ وكالة الأناضول بخيبتها في ترويج كذبتهم وأنه تم إكتشاف تزويرها على التاريخ، عادوا ونشروا تغريدة أخرى تتحدث فيها عن نفس الموضوع ولكن بتصحيح المعلومة والتشويش في نفس الوقت، فقالت تغريدة الأناضول:
(بدون مبررات منطقية عادلة يُطالب الذباب الإلكتروني المُموّل من أكثر من دولة خليجية لا تُبطن عداءها للدولة التركية الحديثة وماضيها العريق، بإزالة الرواق العثماني لأنه ارتبط في أذهان الناس بالدولة العثمانية، رغم أنه منسوب للخليفة عثمان بن عفان).
هذه الكذبة عن الكيان اليمني الذي يدّعيه المزورون أنه موجود منذ ما قبل الدولة الإسلامية، لم يجدوا من يصدهم، فتمادوا أكثر، ولكن بالنسبة للرواق العثماني لم يسكت المسلمون عن تزوير تاريخهم، وإلاّ كان التاريخ القادم سيتحدث أن الرواق العثماني بالحرم المكي شيّده الأتراك، وسينسون أنه منسوب لسيدنا عثمان بن عفان، كما زرع المزورون للتاريخ إسماً لكيان لم يكن موجود في عهد رسول الله أو قبله، ولم يقولوا للأمانة التاريخية إنها كلمة تعني إتجاه.
بقلم الدكتور/ علي محمد جارالله .
