حسين ثابت الدباني ذلك الرجل الحكيم
الجزء الثاني
الإهداء : إلى أخي القائد محسن قاسم حسين الدباني، ورفاقه في اللواء الثاتي صاعقة وسائر المرابطبن
في جبهة الضالع الباسلة.
مؤيدين بنصر الله وثباته .
كنا في الجزء الأول قد وقفنا أمام عدد من اخبار ذلك الرجل الحكيم ومواقفه وحكمه وبعض قصصه التي تتوجت بأمثال وحكم ، وقد ذكرنا إن الرجل عاش مابين نهاية القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين وهي مرحلة حديثة في عرف المؤرخين ولكنها بالنسبة لريفنا الجنوبي تعد من ضمن مرحلة ماقبل التاريخ الحديث ، وماقبل الحداثة. لقد مرت عليهم حربان عالميتان ولم يعلموا باخبارها ولم يشعروا بها إلا عند عدد قليل منهم .
وفي هذا الجزء سوف نتناول ماتبقى من قصص ومواقف لذلك الرجل الذي كان حكيم زمانه ومكانه .
فمن هذة القصص أن شيخ القبيلة كلفه يوما مع عدد من الشباب أن يذهبوا إلى القرية المجاورة ويطمعوا منها ثورا، كان ذلك بهدف الضغط على تلك القبيلة بشأن الاعتراف بحق ما كانت تدعيه قبيلتنا التي ينتمي إليها حسين ثابت ولم يكن بهدف أخذ الثور سرقة او مصادرته على مايبدو . فسار صاحبنا الجد حسين مع مرافقيه الشباب ولعله حين ذاك كان كهلا قويا ساروا إلى القرية المجاورة ليلاً واستطاعوا أن يأخذوا ذلك الثور بهدوء بعد أن عرفوا مكانه في وقت سابق وساروا به من غير أن يشعر بهم أحد ، وصعدوا به جبلا وعرا وفي قمة الجبل حان لهم أن يستريحوا بعد تعب ليلة مضنية فدخلوا في (جلب) اي ( ديمة كبيرة ) وادخلوا الثور معهم وشدوا وثاقه فلما نام الشباب فكر قائدهم الجد حسين بالأمر وقدر أن المشكلة هي بين الشيخين في القبيلتين وانهما غدا سوف يصطلحان وسيعود الثور إلى حضيرته في القرية الأخرى وسيذهب تعبه وتعب الشباب إدراج الرياح، وبعد تلك الغزوة المضنية ، لاشك بأن الرجل كان جائعاً ولعل جوعه لم يجعله ينام كما نام الشباب الذين كانوا جائعين كذلك ولكن تعبهم كان قد غلب جوعهم . كان الليل في ساعاته الأخيرة والبرد تخب ، وكان الثور مسترخياً بعد أن تعب هو الآخر من صعود الجبل الوعر ، فرأى العم حسين أن يذبح الثور ولكنه لو استعان بالشباب لربما يعارضونه لأن الشيخ طلب منهم إحضار الثوب حيًا فما كان من العم حسين إلا أن يذبح الثور وحيدا ولكن كيف يتسنا له ذلك؟. وبحركة خاطفة استطاع أن يذبح الثور الذي كان موثقاً ومسترخيا ، حركة فيها ذكاء وقوة مكنته من الثور وحيداً ، فانتفض الثور بقوة واهتز الجلب حتى كاد يقع عليهم جميعا فصاح الشباب بعد أن صحوا من نومهم يسألون عن سبب تلك الهزة الشديده التي صدرت عن الثور قبل أن يلفظ أنفاسه، فرد عليهم العم حسين بتلك الإجابة التي أضحت مثلاً يضرب ونكتة تروى قال ( ارقدوا ارقدوا مافي شيء هذا الجحيشي بيزبط ) لقد جعل الثور جحيشي تصغيراً له وهكذا تصغر في عين العظيم العظائمُ كما قال المتنبي . لقد ذبح الثور وسلخه وفصله لنفسه وبنفسه وهكذا وصل الثور الى القرية لحماً طريا محمولاً فجعل العم حسين مشكلة الثور أمام القبيلتين والشيخين امراً واقعا وما من قضية إلا ولها حل ، المهم أن تعبه وتعب الشباب لم يذهب سدى فقد أكلوا لحما وشربوا مرقاً كانوا في امس الحاجة إليهما، وكذلك ستطعم القرية مما طعموا.
وحين حضر الجد حسين يوما جلسة حكم قبلي بين رجلين طال أمد قضيتهما ونزاعهما ، وفي تلك الجلسة صدر الحكم بين الرجلين فسأل أحد الحاضرين العم حسين عن رأيه فيما حصل ، وكان السائل ينتظر من العم حسين أن يقول إن فلانا من الرجلين قد انتصف وانتصر وإن الآخر قد فلج ، ولكن إجابة العم حسين كانت مختلفة وغريبة ومفارقه ولكنها لامست الحقيقه والواقع فماذا قال العم حسين في إجابته التي صارت مثلاً يضرب لقد قال( الأمناء رشنوا والغرماء فلجوا ) وهذا تقويم مختلف للحكم فلم ينتصف وينتصر احد الطرفين على الطرف الآخر من الغريمين ولكنهما قد فلجا جميعا بينما الذي أنتصر وفاز واستفاد هم الامناء الذين حلوا القضية بعد طول زمن وبعد أن استنزفوا الغرماء ماكان لديهم من أموال وهذة نظرة حكيمة من صاحبنا إلى أصحاب المشاكل من الناس الذين لايحسمون امورهم بينهم بالحق والمعروف فيلجؤون الى الوجاهات القبلية التي تطيل من أمد النزاع وتجعل تلك المشاكل مهنة للعيش والترزق بحيث يصبح الغرماء المتنازعون على حافة الفقر بسبب طول المشارعة والتقاضي.
ولكن عملية الإصلاح بين الناس ستظل قيمة اجتماعية وأخلاقية عظيمة بحيث تكون بالحق ولا تتحول إلى تكسب غير مشروع.
ومن طرائف الرجل أنه حين سمع الخطيب يشير إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سوف يشفع لأمته كافة يوم القيامة فقال على البديهة (انا كنت أريده أن يشفع لي حين انزل في القبر وحيداً في تلك الليلة الموحشة اما في يوم القيامة فقدنا مع (العيكمي ) . ولاشك أن قول العم حسين غير صائب فإن الشفاعة كما أرادها الله تكون يوم القيامة والله أعلم بما حكم وقدر وهو العدل ، ولكن عبارة العم حسين تدل على البراءة والتلقائية والخوف من الله في تلك الليلة المجهولة في باطن الأرض ، لان هذا هو ما راه في حياته مجسدا امامه اما يوم القيامة فهو من علم الغيب ، ولم يعلم عنه الكثير فثقافته الدينية محدودة.
وحين هجم الوباء على القرية ذات حصد من أهلها الكثيرين وكان العم حسين حاضرا في تلك المعمعة والبلاء وكان بين حين وآخر في اليوم نفسه يقضي الوباء على أحدهم فيتحرك الناس لدفنه في المقبرة التي تبعد عن القرية بحوالي كليو متر فكان اهل القرية ذاهبين وراجعين بين القرية والمقبرة فقام الجد حسين فصاح بصوته إلى الذين كانوا عند المقبرة يحفرون القبور قائلا لهم( اجلسوا عندكم ولا تعودوا إلى البيوت ) أي أن المرضى يتساقطون موتى فيجب أن يكون حفر القبور مستمراً وحملهم إلى المقبرة مستمرا كذلك فالقرية في حاله استنفار كامل . وعندما سأل العم حسين عن رجل من اهل القرية كان لايراه لا في المشيعين ولا في المرضى ولا في الموتى ولا هو ممن كانوا يحفرون القبور او يقومون بواجب المرضى، فقيل له هو في بيته جالس لا بحب أن يشارك الناس فقال حينها :
( هذا الرجل لن يموت في القرية ولن يدفن فيها) فسبحان الله مرت الأيام والسنين ومات ذلك الرجل بعيدا عن قريته ودفن هنالك رحمه الله تعالى وطيب ثراه وغفر له تقصيره.
لا تزال هناك بعض القصص الطريفة
والمواقف لهذا الشيخ الحكيم رحمه الله. عسى أن نتوقف أمامها ذات يوم.
د عبده يحيى الدباني.
