حسين ثابت الدباني ذلك الرجل الحكيم
الإهداء : إلى أخي وصديقي
محسن قاسم حسين ثابت الدباني
القائد المرابط في جبهة الضالع الباسلة وإلى جميع رفاقه الأحباء قادة وجنودا.
حسين ثابت الدباني يمثل جيل الأجداد ، وجيلنا نحن يمثل جيل الأحفاد.. نحن الذين صار لنا أبناء وأحفاد بحمد الله. لهذا أرجح أن هذا الرجل الحكيم قد جاء إلى الحياة قبل مائة وثلاثين عاما تقريباً اي في حدود عام 1890م ولقد عاش حتى شاخ كما روى لنا آباؤنا الذين رووا لنا قصصه وطرائفه وحكمه رحمه الله تعالى . لهذا اتوقع وفاته في منتصف خمسينيات القرن الماضي او في نهايتها . هذا هو زمنه اما مكانه فقد عاش العمر كله في قريتنا الحبيبة قرية القرب سقاها الله ، تلك القرية التي تقع أعلى جبل حالمين، يطل عليها جبل غبيرى من جهة الشمال، ذلك الجبل الشاهق الذي يعد ثاني جبل في الارتفاع عن سطح البحر على مستوى الجنوب كلها بعد جبل جحاف المقابل له ، ولعل الفرق بين الجبلين قليل جداً ، ومن جهة الجنوب أمامها فج عميق لا يرد البصر نحوه إلا الأفق البعيد ، حتى أن الناظر من فوق جبلها ليلاً يرى الأضواء في عدن ولحج وغيرهما حين يكون الجو صحوا .
هناك قصص عديدة نقلها إلينا آباؤنا عن هذا الرجل فقد أدركوه وعاصروه
سنين أما جيلنا فلم يلحقه. تمخضت هذه القصص والمواقف عن حكم وأمثال وأقوال بليغة ظلت باقية إلى عصرنا الراهن . ولعلنا هنا نوثق لها
كنوع من التراث النثري العزيز.
قال يوما معلقا على ما رأى: (بعض الناس تراه فيعجبك منظره فإذا تكلم كسر ظهرك) . فهذه حكمة بليغة لم يأت بها الرجل من التراث ولكنها من بنات أفكاره وملاحظاته وهي تلتقي مع تلك الأقوال المأثورة في التراث العربي عن اهمية الكلام ومكانته فقد قيل قديما : المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : المرء مخبوء تحت لسانه ، وقال الشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن ابي سلمى :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وغيرها من الأقوال والأمثال التي تعلي من شأن اللسان وبأنه ترجمان العقل.
وكان رحمه الله يكره الحمق والاستهتار وعدم الجد وعدم الشعور بالمسؤولية، فحين لم يعجبه سلوك بعض الشباب قال” الناس بتعشر حبوب ونحن بنعشر رجال ” والعشير هنا بمعنى الزكاة .
وكان يكره الظلم الذي يمارسه الأشخاص أو القبائل، ففي مرة من المرات كان القوم مجتمعين في قرية مجاورة لنا وكانوا في ضيافة أحد الأشخاص في تلك القرية وكانوا قد جلسوا لياكلوا العصيد القوية مع المرق والسمن تلك التي يسمونها ( الجعرور) وكان قدح العصيد يهتز فقام صاحب البيت فأخرج جنبيته ليضعها تحت القدح حتى تتوازن فلا تتحرك ، ولكن احدا ممن كانوا حول المائدة صاح واحتج، واتهم صاحب البيت بأنه كان يريد طعنه وقتله ، وهكذا نشأت قضية من فوق العصيد ووقفت قبيلة ذلك المدعي إلى جانبه وأصروا على دعواهم ضد صاحب البيت الذي استضافهم واستضاف غيرهم وأرادوا التحكيم والحكم واعتبروا ذلك شروعا في القتل ، الذي كان حكمه في العرف القبلي يساوي نصف دية كأنه نصف قتل
وكأن المدعي نصف قتيل . فتدخل العم حسين ثابت وحاول مراجعتهم ونصحهم وثنيهم عن الاستقواء وبأن هذا ظلم وما ينبغي التربص بصاحب البيت وقبيلته وبأن الرجل لم يقصد الاعتداء ولا التهديد ولكنهم لم يسمعوا نصحه ومضوا في طغيانهم ،ونالوا مايريدون من الحكم . فمرت الأيام وإذا برجل من تلك القبيلة التي أدعى صاحبها باطلا قتل من قبل قبيلة أخرى، فبينما كان الناس يحفرون قبرا لذلك القتيل، وكان القتيل مسجى في نعشه بجانب القبر ، اقبل صاحبنا حسين ثابت ومعه خبز وكشف عن وجه القتيل وكان يضع في فمه الخبز ويقول له : كل كل ، فاستنكر الناس هذا الفعل وقالوا له كيف تريد من الميت أن يأكل ياعم حسين ، فرد عليهم مباشرة وقال: (وكيف قتيلكم فلان أكل صحنا من العصيد، وحسبتموه قتيلأ واخذتم فيه دية، فلاحظوا كيف هو القتل الصحيح هذا الذي أمامكم المسجى هو القتيل الصحيح وليس صاحبكم ذاك الذي أكل قصعة !!) .
لقد كان هذا الرجل يحب العدل ويحب العقل ويكره التهور والطيش ونزعات الهوى وغرور الشيطان والاستعلاء والاستقواء ، وقد حضر يوما اختصام قبيلتين لأسباب بسيطة وتافهة ولكن الشيطان يشب فيها ناره ، فحاول العم حسين مراجعة الطرفين وعرض عليهم مخارج العقل وجاء الناس من كل مكان محاولين الإصلاح وإخماد الفتنة ولكن من غير جدوى فتطور
الأمر وانفجر الموقف بينهما وسقط قتيل من إحدى القبيلتين وسقط القاتل جريحا ، وهكذا تحولت القضية إلى قضية دم وقتل في ساعة نزق ونزغ ولم تعد سهلة مثلما كانت
بل ظلت قائمة خمسة وعشرين عاما. وحينما ذهب الرجال ليحملوا صاحبهم الجريح نادوأ للعم حسين أن يحمل معهم، فقال ذلك القول المشهور ( والله مايطلع لي ظهر قد كان بيمشي على رجليه )
وفي هذا إشاره إلى أن القوم لم يأخذوا برايه ولا بنصيحته ولم يقدروا الناس التي حضرت للإصلاح.
وحين كان يوما يتناول مع أولاده وجبة الغداء عصيدا في الهواء الطلق لفت أحد الأولاد إلى ذلك الفج العميق الذي ذكرناه وسأل سؤالا لا داعي له في وقت غير مناسب حيث قال (ذلك الشعب إلى أين مسيله يا أبتاه؟) فقال أبوه على الفور مسيله إلى داخل الصحن!! لأن الأب رأى أن هذا السؤال عبثي ولا طائل من ورائه ،
ومر يوما في منطقة بعيدة عن حالمين في بعض اسفاره لجلب الحبوب، وكان الناس هناك يعرفونه و يقدرونه ولقد وجدهم مختصمين بسبب جريمة حدثت وهي أن رجلا اغتصب بنتا صغيرة كانت راعية، فاجتمع القوم لمعالجة هذا الأمر الجلل الغريب عن واقعهم القبلي وكان هناك ما يشبه المرافعات القانونية بين أصحاب الضحية وأصحاب الجاني وكان أصحاب الجاني يحاولون التهوين من الجريمة ويبدو انهم كانوا أقوى نفيرا من أهل الضحية، فشرع أحد هؤلاء المرافعين من طرف الجاني المجرم يقول ما معناه إن النساء قد خلقن للرجال وإن هذا الأمر يحدث هنا وهناك وإن الرجال من عادتهم يجهشون ، والجهيش هنا بمعنى انهم يقطعون هذه السنبلة او تلك من سنابل الذرة او غيرها فينضجونها بالنار وياكلونها، وهو هنا يشبه النساء بالسنابل ويجيز الجهيش منهن دفاعا عن صاحبه ومحاولا إقناع القوم الذين حضروا ذلك المشهد القبلي، وكان بعضهم قد بدأ يقتنع وقد بدأ الضغط والتأثير على اصحاب الضحية ، فالتفت أحدهم إلى العم حسين الذي كان عابر سبيل في ذلك المكان وقالوا له كيف تشوف ياعم حسين، قد الرجال بتجهش أحيانا؟ فقال العم حسين ( صحيح أن الرجال قد يجهشون ولكنهم يجهشون سنابل ناضجة وعاجرة ، -اي ما بعد النضج- ولكن صاحبكم خلعها من داخل العوصرة ) اي إن البنت الضحية كانت طفلة ولم تكن سنبلة ولا جهيشا ولكنها ما تزال في أكمامها وفي عودها ولم تظهر بعد ، وهذا الأمر فيه شذوذ وانحراف
وجرم كبير .
وبعد ان سمع اهل الضحية وبقية الناس هناك هذا الكلام الحكيم تمسكوا بالحق وبإنزال العقوبة العادلة على الجاني .
ومن العادات في قريتنا وسائر القرى في حالمين ان رجلا درويشا فقيرا يأتي من خارج حالمين يمر على جميع القرى وله حق معلوم على الناس إذ يعطونه حبوبا مما يحصدون ، ويحسنون استقباله ولعل هذه من العادات الصوفية التي كانت موجودة في ريفنا وكان مروره هذا يوما في العام فقط اي في كل يوم تستقبله قرية فلا يعود إليها إلا في العام القادم، بل كان مقررأ له أن يتغدى في مكان محدد وأن يتعشى في مكان آخر محدد وان له أن يشرب قدحا من القهوة في المكان الفلاني ، وهكذا ، وكان هذا الرجل فنانا مغنيا وكان الناس يسمعون منه الأغاني في كل قرية ويعطونه ( فسحا)وحين زار قريتنا يوما استقبلوه في بيت الشيخ ، فدخل أحد رجال القرية إلى المجلس
متأخرا، فسلم وقال للناس، بالقلوب، معتذرا عن المصافحة ولكن العم حسين ثابت قال له : (صافح الضيف مايقع بالقلوب من حادية إلى حادية) يعني أمره أن يصافح الضيف لأنه لا يأتي القرية إلا يوما في السنة في موسم حادية اي في بداية يناير من كل عام وهو موسم البرد الشديد . ولعل كلمة (بالقلوب) احسن من كلمة (السلام تحية) التي شاعت في الجنوب بعد حرب الاحتلال عام 94م .
وحينما خرج الرجل الدرويش من المجلس ذاهبا إلى قرية أخرى شيعه الناس مودعين، ولكن زوجة العم حسين طلبت ان تسمع أغنية من هذا الرجل الزائر الفنان فقال لها زوجها : دعي الرجل يذهب فهو مستعجل والمساء قد اقترب، ولكنها أصرت على أن تسمع أغنية لقد كانت سلية وبريئة وعلى نياتها، فطلب العم حسين من ذلك الرجل المغني ان يذهب معه إلى المكان الذي سيؤدي فيه الأغنية ، فسار معه وطلب منه أن يصعد إلى فوق كوم من الحطب الهش وقال له : الآن سمعنا مغناة ، فتحلق الناس حول المكان رجالا ونساء وكان في مقدمتهم زوجة العم حسين ليسمعوا الطرب . فلماذا أختار العم حسين ذلك المكان للغناء ؟ وما هي الرسالة التي أراد أن يوصلها ؟
لقد كانت زوجته امرأه مسكينة ضعيفة ، وكانت النساء عادة تتبارى في جمع الأحطاب الكثيرة والقوية
يجلبنها من أماكن بعيدة ويتنافسن
عليها، وكانت زوجته تجمع أضعف الحطب من الأماكن القريبة ومن الأشجار الهشة الصغيرة وكان محطاب المرأه دليلا إما على حنكتها وبراعتها واما على ضعفها مع أن حطب زوجة العم حسين يفي بالغرض، لكن صارت المسألة مباهاة أكثر من كونها احتياجا . وبهذا أراد العم حسين أن يري الناس محطاب زوجته لكي تسخر منها النساء ويشفق عليها الرجال عقابا لها على إصرارها على سماع الأغنية وتأخير الرجل حتى حل المساء ، لكن هذه العقوبة لا تخلو من درس تربوي قاس.
للحديث بقية بعون الله تعالى.
د عبده يحيى الدباني.
