أياما فوق جبال يافع يافع بليلات السيل ..يافع بليات الجنوب.
الحلقة الرابعة.
إلى أهلنا في يافع وهم يحيون مهرجانهم الثقافي السنوي.
وبعد ظهر اليوم الرابع من الرحلة يممنا جهة شمال شرق بلاد السعدي لقد بدت لنا منطقة بعيدة إنها الرباط، رباط السنيدي ، لا نزال نقلب ورق المذكرة ورقة ورقة ، تبدو لك يافع من بعيد كتلة واحدة …كتاباً مغلقا ، وما أن تدخل فيها حتى تنفتح لك أوراقها واحدة تلو الأخرى ، فانعم بتلك الجغرافيا المباركة ، وانعم بذلك الكتاب.. !! هنالك في الرباط بين الجبال كانت لنا ليلة أخرى سفرُ فسفرة يافعية طويلة، وبشاشة وجوه تدخل ضمن مكونات السفرة الكريمة ، تنظر في المنازل هنالك فترى عجباً ، هذه منازل مدينة وليست منازل قرى، لكن مزايا القرية الإيجابية موجودة هناك . إنها يافع تجلب المال من أقصى الأرض وتهتم بنفسها اولاً وقبل كل شيء ، قبل أن يبتني أبناؤها منازل في مدن مختلفة تجدهم قد بنوا طوابق مدهشة في قراهم ، هناك تشكيلات من البناء ليست موجودة حتى في عدن حسب معرفتي، وأنواع من البلاط كذلك لم أره إلا في يافع .
هذه البلاد أكسبت أهلها مناعة ضد العجز والوهن والاستسلام لأي واقع لايليق بالإنسان مهما كلف ذلك من ثمن . لقد جمعت يافع بين المجد والمال كأنها وضعت وصية المتنبي على المحك حين قال :-
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
حتى المجانين في يافع تجدهم مختلفين، فبعضهم يقول كلاما لم يقله حتى العاقلون من حيث الحكمة والطرافة والملاحظة والتجربة، كما تجدهم لم يتخلوا عن المروءة والنكف وسرعة البداهة وغير ذلك مع أنهم قد فقدوا عقولهم .
قد تجد البعض يردد أن أهل يافع يتعصبون لبعضهم والحقيقة أنني لم أر هذ الصفة فيهم ، فهم من أشد الناس نقدا لبعضهم ، صحيح أنهم يعتزون جميعا بيافع كبلاد وتاريخ وملامح عامة ولكن هذا معقول ومقبول ومطلوب . لقد جاء في الوصية الشعبية أو قل في الأمثال الشعبية :-
أدع اليافعي ولا تستشره ، وهذا يؤكد قوة اليافعي وحصافته ، فحين تدعوه بشكل طارئ وسريع فإنه ينجدك كيف ما كنت ولن يخذلك وحين تستشيره في أمر فإنه يعمل عقله ويمحضك النصيحة ولا يريد يدفع بك إلى الشر او المغامرة فالمستشار مؤتمن.
وبعد جلسة قصيرة بعد تناول الإفطار اتجهنا نحو الساحة التي ستقام فيها الأمسية الثقافية الرمضانية .
كما قلت لكم من قبل ، فقد جرى التحريض علينا من قبل بعض الناشطين في عدن وربما أيضا في يافع وشككوا بنوايانا .
هذان الرمزان الجنوبيان البيض وباعوم لهما شعبية كبيرة في أوساط الجماهير فبمجرد الاختلاف بينهما في أمور محددة لا تخص الهدف ولا ثوابت القضية فإن ذلك يشكل هزة في صفوف الجماهير الشعبية فيؤثر على توازنها وتماسكها بعض الوقت، لأن ازمتنا في الجنوب أزمة قيادة منذ الستينيات كما قال الشهيد علي عنتر رحمة الله .
سالت الجماهير سيلا نحو الساحة ، فتلك يافع حين تسيل جبالها ، وقد قيل ماسيل إلا من جبل ،
ترددت أصوات إطلاق رصاص ، لعل ذلك كان احتفالا بقيام الأمسية واحتفاء بالقادمين من عدن ، ولعل ذلك كان رسالة لنا من قبل الرفاق الذين حسبوا إنما أحيينا تلك الليالي المتوالية نكاية بالزعيم باعوم وبمكونه السياسي الجنوبي .
وصلت الحشود إلى الساحة في رباط السنيدي وكنا نحن جالسين في منصة الساحة منتظرين بدء الفعالية، لقد دخلوا الساحة بعنفوان تصحبهم أصوات الطبول ورقصة البرع اليافعية المدهشة ، يعجبونك إلى حد الوله ، وهم يؤدون رقصة البرع الحماسية، ببراعة مذهلة وتوازن وتناغم منقطعي النظير ، وهم يلوحون بالجنابي الجنوبية الأصيلة ، ترى أمامك ألا وجود لسلطة الاحتلال في يافع على الإطلاق مع أننا مانزال في عام ٢٠١٣م ، فحتى السلطات المحلية تماهت مع الجماهير واحترمت إرادتها وكانت جزءا منها في الغالب في الولاء والثورة .
المؤتمر الحاكم موجود هنالك والسلطات التي تتبع الحكومة موجودة ولكنهم من يافع وإليها ومن الجنوب وإليه، وقد قابلنا بعض مسؤولي يافع ، مرحبين بنا واستضافنا بعضهم في منازلهم لبعض الوقت خلال تلك الرحلة الفريدة ، فلا هم ممن يعدون التقارير… ولا ممن يخافون أن ترفع فيهم التقارير …
كنا نستمتع برقصة البرع تلك ولكنها طالت ، وكان ذلك على حساب برنامج الأمسية ، بحيث لاتخلو تلك الإطالة في البرع من مكايدة وتنافس، ولكن على الطريقة اليافعية المهذبة ، وعلى أية حال لم يسع أحد إلى عرقلة الأمسية .
ليلة ذاك لم أستطع أن أحاضر محاضرة لقد كانت محاضرتي خطبة، لقد تأثرت بما سمعت ورأيت إيجابا ً وسلباً ورقصت برعاً بطريقتي اي الرقص بالكلمات ، وكنت كلما ذكرت الرئيس علي سالم البيض حسب مقام الكلام ذكرت إلى جانبه الزعيم المناضل باعوم فتشتعل الساحة بالتصفيق، لقد جمعنا بينهما وأن كانا مختلفين بعض الاختلاف أو قل جمعنا محبيهما وجماهيرهما . ياترى ماسر هذه الشعبية العارمة لهذين الزعيمين الجنوبيين وهما شيخان كبيران من أقاصي حضرموت الحبيبة وليسا من يافع ؟! إنه حب الجنوب والإخلاص في تحريره من احتلال الشمال الغاشم ، وحب من يمثل ذلك من رموز وطنية جنوبية . فمثلما هي لقمة اليافعي بعيدة عن يافع إذ يجوب الأرض ليكسبها وهو عزيز ، فإن هواه يتجاوز يافع إلى الجنوب كلها موطنا ويرى أن تحرير الجنوب مسؤلية كبيرة تقع عليه أولا قبل الآخرين وهذا شعور تاريخي لديه كما ذهب إلى ذلك زميلي وصديقي الدكتور علي صالح الخلاقي حفظه الله.
انتهت الأمسية عند منتصف الليل ولم يعد هناك اي توتر يمكن الشعور به لا عندنا ولا عند الذين فهمونا خطأ، فما أسوأ سوء الظن في تاريخ الثورات والحركات التحررية !!
وبعد المنتصف كانت السيارة تنحدر بنا في شعاب يافع تطوي أوراق المذكرة الصلبة طيا نحو رصد مركز المديرية، كان بودي ان نعود إلى الفندق وننام هناك لأن منازل المواطنين يجد الضيف فيها حرجا ، ولكننا عرجنا سحورا على منزل شيخ كريم من مشايخ القفعي.
كنا ثلاثة انا والفقيد حمود السعدي
رحمه الله وزميلي ورفيق دربي
د زيد قاسم ثابت .
تناولنا سحورنا عنده الشيخ القفعي ثم ترك لنا مجلسا مترامي الأطراف لننام فيه كأنه مديدان كرة قدم في طوله فما شاء الله عليه وعلى أهله، غاب الذباب يومها عن ذلك الميدان وأسدلت الستائر فلم يستطع النهار مهاجمتنا بشمسه ، إلا قليلا من الضوء الذي لايزعج نائما ، ولا يؤرق صاحيا.
وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة الأخيرة.
د عبده يحيى الدباني.
