الساحل الغربي والصبيحة يستنزفان الحوثيين.. معارك برية وإسناد جوي يكبّدان الميليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد

تتجه المواجهات العسكرية في محافظتي تعز ولحج إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع اتساع رقعة الاشتباكات وتعدد محاور القتال، في تطورات تضع جماعة الحوثي أمام ضغوط ميدانية متزايدة، وتفرض عليها استنزافاً متواصلاً في الأفراد والآليات والقدرات العسكرية، بالتزامن مع محاولاتها تحقيق اختراقات في المرتفعات والمواقع الاستراتيجية المطلة على طرق الإمداد.
وتكشف المعارك الأخيرة، خصوصاً في جبهة المقاطرة والمناطق المحيطة بطريق هيجة العبد، عن أهمية الموقع الجغرافي لهذه الجبهات في رسم التوازنات العسكرية بين تعز ولحج؛ إذ تسعى الجماعة إلى توسيع نطاق سيطرتها على المرتفعات المشرفة على الطرق الحيوية، بما يمنحها قدرة أكبر على الضغط على المناطق الحكومية وتهديد خطوط الحركة والاتصال بين المحافظات الجنوبية ومدينة تعز.
وشهدت محاور القتال خلال اليومين الماضيين مواجهات عنيفة، إثر محاولات حوثية للتقدم باتجاه مواقع استراتيجية في المقاطرة وحيفان وطور الباحة، مدعومة بتعزيزات بشرية وآليات عسكرية وقصف مدفعي متزامن. غير أن القوات المدافعة تمكنت من احتواء أجزاء من الهجمات، وسط تقارير عن خسائر بشرية ومادية في صفوف المهاجمين.
وفي المقابل، شاركت ألوية العمالقة وقوات درع الوطن والتشكيلات المحلية، إلى جانب وحدات من محور تعز العسكري والمقاومة الشعبية، في التصدي للتحركات الحوثية وتأمين المواقع الدفاعية، مع إسناد جوي استهدف تجمعات وآليات تابعة للجماعة.
وامتدت المواجهات إلى غرب محافظة لحج، حيث خاضت قوات اللواء 31 التابع لألوية العمالقة اشتباكات في مديرية المضاربة ورأس العارة، على خلفية تحركات حوثية باتجاه مواقع مرتبطة بجبهة كهبوب، وهي منطقة تكتسب أهميتها من موقعها القريب من مضيق باب المندب والممرات البحرية الدولية.
وتشير طبيعة التحركات المتزامنة على أكثر من محور إلى محاولة حوثية لتشتيت القوات المدافعة وفتح ثغرات في خطوط المواجهة، إلا أن تعدد التشكيلات العسكرية المشاركة في التصدي لهذه الهجمات، إلى جانب تعزيز التنسيق الميداني، يحدّ من قدرة الجماعة على تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب مستقرة.
وعلى صعيد التطورات الميدانية، تحدثت تقارير عن تدمير عربات ومعدات عسكرية حوثية واستعادة القوات الحكومية جبل عنعن، فيما لا تزال المعلومات متباينة بشأن الوضع في قلعة المقاطرة وسوق الربوع، الأمر الذي يجعل تحديد خريطة السيطرة بصورة نهائية مرتبطاً بما ستسفر عنه العمليات والتحقق من المعطيات الواردة من الميدان.
ولا تقتصر تداعيات هذه المواجهات على الحسابات العسكرية، بل تمتد إلى الوضع الإنساني في تعز، التي لا تزال تواجه قيوداً على الطرق والمنافذ الرئيسية، بما يفاقم صعوبات انتقال المدنيين وإيصال المواد الغذائية والوقود والأدوية، ويضاعف الأعباء المعيشية على السكان.
ويمنح استمرار الضغط على الطرق المؤدية إلى المدينة المواجهة بُعداً يتجاوز السيطرة على المواقع العسكرية، خصوصاً أن التحكم بالمرتفعات والممرات الحيوية يتيح فرض قيود على حركة الإمدادات والتنقل. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت، عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، من تداعيات التصعيد وإغلاق الطرق وتضرر البنية التحتية، داعية إلى وقف الهجمات وضمان حرية تنقل المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
وفي السياق الأوسع، تتصل جبهات لحج وتعز بحسابات الأمن البحري في الساحل الغربي وباب المندب، حيث تثير القدرات العسكرية الحوثية والتهديدات التي تطلقها الجماعة ضد الملاحة الدولية مخاوف بشأن سلامة السفن التجارية واستقرار حركة التجارة عبر البحر الأحمر.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ظل الاتهامات الموجهة إلى إيران بتقديم الدعم العسكري والتقني للحوثيين، بما في ذلك القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، الأمر الذي يربط تطورات المواجهة داخل اليمن بمشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية مع أمن الممرات البحرية الدولية.
وتضع هذه المعطيات القوات الحكومية والتشكيلات المحلية أمام تحدي الحفاظ على المواقع الدفاعية وتطوير التنسيق بين الجبهات المتجاورة، بالتوازي مع تأمين الطرق البرية والمناطق الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وبين محاولات التقدم الحوثية وتعدد جبهات المواجهة، تبدو محافظتا تعز ولحج ساحة اختبار حقيقية لقدرة الجماعة على مواصلة عملياتها العسكرية دون استنزاف متزايد، كما تمثلان اختباراً للقوات المدافعة في تحويل نجاحها في صد الهجمات إلى تثبيت للمواقع وتأمين للممرات الحيوية، ومنع الحوثيين من استثمار الجغرافيا لفرض وقائع عسكرية جديدة.
