قراءة في المشهد اليمني.. أين الخلل وأين الحل؟

بعيدا عن لغة التخوين والمزايدات، يحتاج الوضع في اليمن اليوم إلى قراءة سياسية هادئة.

*1. لماذا تتقدم جماعة الحوثي في الشمال والساحل؟*

الواقع يقول إن القوات المحسوبة على الشرعية في الشمال هي من أكثر القوات دعما. مرتباتها منتظمة بالريال السعودي، وتصلها إكراميات سخية، وتمتلك عتادا ثقيلا وحديثا.

ومع ذلك نرى تراجعا وتسليما لمواقع وعتاد. السبب ليس ماديا، بل سياسي بامتياز.

هناك قوى نافذة داخل معسكر الشرعية، وليست من تيار واحد – فالمسألة لا تقتصر على طرف واحد، بل هناك أطراف أخرى من مختلف المكونات – اختارت طريق المواءمة والتواطؤ الضمني مع الحوثي. بعضها يفعل ذلك حفاظا على مصالحه في صنعاء، وبعضها نكاية بخصومه في الجنوب أو في الساحل.

*2. العامل الإماراتي وسقوط الساحل الغربي حتى باب المندب*

لا يمكن فهم ما حدث بدون التوقف عند عاملين مترابطين.

*العامل الأول هو خروج الإمارات من خطوط التماس الرئيسية.*
كانت الإمارات هي القوة الميدانية التي تشرف مباشرة على تدريب وتوجيه قوات العمالقة والقوات الجنوبية، وتدير المعركة باحترافية. وعندما تم إخراجها أو تقييد دورها بضغط سياسي وإعلامي، حدث فراغ قيادي وعملياتي كبير، استفاد منه الحوثي.

*العامل الثاني هو القرار الخاطئ في الساحل الغربي.*
الساحل الممتد حتى باب المندب كان مؤمنا بالكامل بقوات العمالقة الجنوبية. ثم جاء قرار سحب قوات العمالقة والقوات الجنوبية من مواقعها المتقدمة وتسليم تلك المواقع لمحور تعز وقوات المقاومة..

محور تعز اعتمد في تأمين تلك المناطق على قوى محلية متساهلة مع الحوثي، فكانت النتيجة فراغا أمنيا ملأه الحوثي بسرعة واقترب من أهم ممر مائي في العالم. وهذا هو الدرس: عندما تُستبعد القوة الأكثر ثباتا، يختل الميزان.

*3. الجنوب.. الثبات الذي يصنع المستقبل*

في المقابل، الجنوب يقدم نموذجا مغايرا. منذ 2015 وحتى اليوم، لم يسجل على القوات الجنوبية في الضالع ويافع وكرش والصبيحة وأبين وشبوة أي تسليم طوعي لمواقعها للحوثي.

السبب أن الجنوبي يقاتل عن قضية وأرض، وليس عن وظيفة. لذلك هو أكثر ثباتا، ولهذا فإن أي ترتيبات قادمة لا يمكن أن تتجاوز الجنوب كضامن لاستقرار عدن وباب المندب.

*4. الشرعية ومصيرها*

الشرعية كغطاء قانوني لا تزال ضرورية. لكن كمشروع لاستعادة صنعاء، أصابها الوهن بسبب الانقسامات وتعدد مراكز القرار. مستقبلها يكمن في أن تتحول إلى إطار جامع يحترم الواقع: إقليم في الشمال وإقليم في الجنوب، بشراكة حقيقية.

*5. هل ستسلم السعودية اليمن للحوثي؟ وموقف أمريكا وبريطانيا*

فكرة تسليم اليمن كاملا للحوثي غير واقعية. السعودية تريد تأمين حدودها وتتفاوض مع الحوثي، لكن تسليم باب المندب للحوثي يعني تسليم أمن الخليج لإيران، وهذا خط أحمر.

ما تريده السعودية فعليا هو تهدئة مستدامة مع جنوب مستقر.

*أمريكا* أولويتها أمن الملاحة في البحر الأحمر، لذلك هي معنية ببقاء الساحل والجنوب بيد قوى قادرة على حمايته.

*بريطانيا* تنظر بمنظار تاريخي وتدرك أن استقرار عدن وحضرموت والمهرة هو مفتاح التجارة العالمية.

*الخلاصة والعقدة الأخيرة: حضرموت والمهرة*

وهنا نصل إلى الخلاصة والعقدة التي تفسر الكثير مما يجري اليوم.

اليمن ذاهب نحو صيغة أمر واقع بثلاث مناطق نفوذ. والطرف الذي يحافظ على الأرض هو من سيفرض شروطه.

لكن هناك عقدة واضحة في السياسة السعودية تجاه الشرق: *حضرموت والمهرة.*

الرياض حتى الآن لا تريد للقوات الجنوبية أن تسيطر سيطرة كاملة على وادي حضرموت وساحلها والمهرة، رغم أن تلك القوات هي الوحيدة المناوئة فعليا للحوثي في تلك المناطق.

وهذا التردد هو ما يفسر ما يحدث من تضييق واستهداف غير مباشر، من قصف جوي أثر على تقدم القوات الجنوبية في وادي حضرموت وساحله والمهرة، ومحاولات تفكيك وإضعاف القوات الجنوبية عبر دعم تشكيلات بديلة موازية لها.

النتيجة أن القوة الوحيدة التي تقاتل الحوثي بصدق يتم إضعافها في الشرق، بينما يتم التغاضي عن قوى أخرى تتمدد وتتفاهم مع الحوثي.

إن أرادت السعودية حلا حقيقيا ومستداما، فعليها أن تحسم خيارها في حضرموت والمهرة: هل تريد شريكا جنوبيا قويا يؤمن الشرق والبحر العربي، أم تريد فراغا سيملؤه الحوثي لاحقا كما حدث في الساحل؟

السياسة لا تكافئ الأكثر ترددا، بل الأكثر ثباتا على الأرض.

وتظل حضرموت والمهرة هي عقدة السياسة السعودية والتكتيك الإستراتيجي بسببها يتراجع الحسم في اليمن كله..

Author

CATEGORIES