الجنوب العربي والإبادة الثقافية

أن أسوأ ما تتعرض له الشعوب هي الإبادة الثقافية، حيث تظل لمئات السنين مشردة وتائهة لا تستطيع لملمة شتاتها، بل تعتبر الإبادة الثقافية أسوأ من الإبادة البشرية الجسدية بكثير، لأن آثارها مدمرة تهديدها وجودي، بينما الإبادة البشرية آثارها زمنية ومحدودة تستطيع الأمة التي تتعرض لها أن تلملم جراحها وتنهض من جديد معتمدة على أرثها وتاريخها الحضاري والإنساني ولنا في اليابان عبرة في ذلك .

ألم تتعرض اليابان إلى إبادة بشرية بقنبلة نووية أسقطت على مدينة هيروشيما راح ضحيتها الآلاف من اليابانيين، لكن اليابان عادت إلى الريادة مجددا، لأن مقومات النهوض موجودة الإرث التاريخي والحضاري والإنساني، بينما الشعب الكردي مازال تائها مشردا تتقاسم أراضيه ومخزونه التاريخي والحضاري والانساني إيران والعراق وسوريا وتركيا ولم يستطع النهوض والعودة إلى الريادة لأنه تعرض لإبادة ثقافية وأصبحت مقومات النهوض لديه غير موجودة، وتتطلب العودة فاتورة كبيرة من الدماء لاستعادة الأرض والهوية وكل مقومات النهوض والحفاظ عليها، وما زال الشعب الكردي يقاتل على مختلف الجبهات .

وكذلك الجنوب العربي تعرض لإبادة ثقافية ممنهجة منذ الاستقلال الأول في عام 1967م استهدفت الهوية والمخزون التاريخي والحضاري والإنساني للأمة بأسلوب ممنهج جعلته تائها في دهاليز اليمننة إلى يومنا هذا .

بعدما تم تغيير هوية الأمة الجنوبية اتجهوا مباشرة إلى تغيير المعالم التاريخية والأثرية والمرافق الحكومية ومعسكرات الدولة بأسماء يمنية، معسكر الشهيد الثلاياء وكأنه لا يوجد لدينا شهداء حتى نستورد أسماء شهداء من ورآء الحدود، والحقيقة لدينا الآلآف من الشهداء ضباط وجنود، ولكن جنوبتهم منعتهم من تخليد أسمائهم في العاصمة عدن اشباعا لرغبة عبدالفتاح إسماعيل، ومحسن الشرجبي، وجار الله عمر ، ما هذا الكم من الغباء الذي كان يخيم على الرفاق، وما هذا الحقد الدفين من الأشقاء اليمنيين على الجنوب العربي الأرض والإنسان .

وفي الطب أيضا نجد أمين ناشر والرياضة ملعب الحبيشي ومرافق التربية أسماء يمنية كثيرة لا حصر لها، وكذلك أسماء الشوارع والحارات تم يمننتها والقائمة طويلة .

أما بعد عام 1990م فقد كان العبث في المعالم التاريخية والأثرية ومرافق الدولة بطريقة لم يتصورها أحد حيث قامت قوات نظام صنعاء في الساعات الأولى من الغزو بحرق كل ما له صلة بالجنوب العربي الأرض والإنسان من وثائق رسمية وسجلات الكليات، وأرشيف إذاعة وقناة عدن الرسمية والصكوك وشهادات التخرج والدراسات العليا، فكل ما يخالف توجهاتهم تخلصوا منه وبأسرع وقت، ونقل ما يريدونها من وثائق إلى العاصمة اليمنية صنعاء .

كما تم تدمير مخازن الكتب في المدارس الجنوبية وفكفكت المكتبات العامة ونقلها إلى صنعاء .

ولم يتوقف مسلسل التدمير عند هذا وحسب بل قاموا بنقل القطع الأثرية من المتاحف الجنوبية إلى صنعاء حتى سيارة الملكة إليزابيث تم أخذها من متحف عدن إلى متحف صنعاء في أكبر عملية سطو واستهتار بتاريخ الشعوب ومغالطة تاريخية كبرى، فالعالم أجمع يعرف تماما بأن الملكة إليزابيث لم تزر صنعاء ولم تكن اليمن تحت حكم التاج البريطاني، إذا من أين جاءت سيارة الملكة إليزابيث إلى المتحف اليمني في العاصمة صنعاء؟

ولهذا نتسأل عن أي وحدة يتحدث هؤلاء وهم يدمرون وينهبون كل شي ولم يحترموا خصوصية وتاريخ الجنوب العربي .

Author

CATEGORIES