أبين واختبار الوعي الأمني.. حين تتحول الطيبة إلى ثغرة في جدار الأمن

أبين واختبار الوعي الأمني.. حين تتحول الطيبة إلى ثغرة في جدار الأمن

ليست كل الحروب معارك تدور على خطوط التماس، فبعض أخطر المعارك تبدأ من داخل المجتمعات، حين تتحول الثقة إلى مدخل للاختراق، والضيافة إلى فرصة للاستغلال، والقيم الإنسانية إلى غطاء لأنشطة تستهدف أمن المجتمع واستقراره.

ما شهدته محافظة أبين، وفق ما أُعلن عن ضبط خلايا مرتبطة بالمليشيات الحوثية، يطرح تساؤلات تتجاوز حدود العملية الأمنية، ويضع أمام المجتمع الجنوبي حقيقة لا ينبغي تجاهلها: أن الحروب لا تستهدف الأرض وحدها، بل تسعى أحياناً إلى اختراق المجتمعات من داخلها.

لقد عُرف الجنوبيون بكرمهم وشهامتهم، وفتحوا أبوابهم أمام النازحين الفارين من بطش الحوثيين، انطلاقاً من واجب إنساني وأخلاقي. لكن المؤلم أن تتحول هذه الثقة لدى البعض إلى فرصة لاستغلال طيبة المجتمع، وبناء علاقات تُستخدم، وفق المعلومات المعلنة، لأغراض تجسسية وتنسيقية لصالح الجماعة الحوثية.

وتكشف تفاصيل القضية المتداولة في أبين، وما قيل عن ضبط وثائق وملازم ومخططات، أن التهديد الأمني قد لا يأتي دائماً من جبهة القتال، بل ربما يتسلل بهدوء إلى الأحياء والمنازل، مستفيداً من غياب الحذر والثقة غير المحسوبة.

المشكلة هنا ليست في استقبال النازحين أو مساعدة المحتاجين، فهذه قيم لا ينبغي أن يتخلى عنها المجتمع الجنوبي، وإنما في ضرورة الفصل بين الواجب الإنساني والمسؤولية الأمنية. فليس كل نازح موضع شبهة، كما أن صفة النزوح لا ينبغي أن تكون غطاءً يحمي من يثبت تورطه في أعمال تستهدف أمن البلاد.

إن المرحلة تفرض وعياً مجتمعياً أكبر، ويقظة لا تقوم على التخوين والتعميم، بل على الانتباه للمؤشرات المريبة، والإبلاغ عنها للجهات المختصة، وترك مهمة التحقيق وإثبات التهم للأجهزة الأمنية والقضاء.

فالتهديد الحوثي لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى محاولات جمع المعلومات وبناء شبكات الاختراق واستغلال الثغرات الاجتماعية. ومن هنا، فإن حماية أبين وعدن ولحج وبقية المحافظات الجنوبية تبدأ بتعزيز التنسيق الأمني وتحصين الجبهة الداخلية.

لقد قدم الجنوب تضحيات جسيمة في مواجهة الحوثيين، ولا يمكن أن تُصان تلك التضحيات دون حماية المجتمع من محاولات الاختراق والعبث. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة وحدها، بل مسؤولية مجتمعية تتطلب وعياً وتعاوناً وثقة بالمؤسسات المختصة.

إن ما حدث في أبين، إذا ما أثبتت التحقيقات تفاصيله، ينبغي أن يكون درساً للجميع: لا تتخلوا عن كرمكم، لكن لا تجعلوا الطيبة مدخلاً لاستغلالكم؛ لا تغلقوا أبوابكم أمام المحتاجين، لكن لا تمنحوا الثقة دون وعي.

فالجنوب الذي يدافع عن أرضه في ميادين القتال، عليه أن يدافع عن جبهته الداخلية بالوعي واليقظة. الكرم قيمة، والتسامح فضيلة، لكن أمن الأوطان مسؤولية لا تحتمل الغفلة.

Author

CATEGORIES