الأزارق: من يقرأ سِفر الدماء في كتاب النسيان؟
بقلم: الملازم/ إياد العبيدي
أيُّ توازنٍ أخرقٍ هذا الذي يحكم موازيننا اليوم؟ أن تظل مديرية “الأزارق” بكامل ثقلها التاريخي والجغرافي مجرد حطبٍ يغذي تنور الحرب، بينما لا يُمنح أبناؤها حتى عود ثقابٍ يوقد شمعة في ليلهم الطويل؟ أيُّ عدلٍ ذاك الذي يقتطع فلذات أكبادنا من أحضاننا، ثم يبخل علينا بمجرد اسمٍ في قوائم التعازي والمواساة؟
طين المعارك ومقابر تمشي
لقد قرر أحدهم – في غفلة من الضمير – أن يكون نصيبنا من هذا الوطن هو “ميادين القتال” فحسب، وكأن الأزارق لم تُخلق لتعيش، بل لتعبر إلى الضفة الأخرى عبر بوابة الفناء. لقد صرنا “طين المعارك” الذي تُشيد به انتصارات الآخرين، ومقبرةً تمشي على قدمين، وطريقاً وعرة لا تملُّ من استقبال
مواكب الشهداء.
عذراً يا سادة التاريخ، لستُ منتظراً لجواب، لكنني أسأل: منذ متى كان الموت “امتيازاً”؟ ومنذ متى صار الصمت المطبق هو المعيار الوحيد للوفاء؟ في الأزارق، نحن لا نكتب تاريخنا بالمداد، بل بدمٍ قاني لا يجد جداراً واحداً يُسجل عليه تضحياته. نموت وكأن الموت مهنتنا الوحيدة، ونُبعث في كل جبهة كأننا الاحتياطي الأخير لجدية هذا الوطن. نحن لا نساوم، لكننا نستهجن هذا النكران؛ لماذا لا يقايضنا أحدٌ ولو بكلمة إنصاف؟
حين تضيق الحياة.. وتتسع البندقية
نكتب اليوم لا طلباً لعرفان، ولا تباكياً على أطلال، بل لأن الكتابة هي الحبل الأخير الذي يربطنا بالتماسك قبل أن يتحول غيابنا إلى “عادة” مملة. نحن لا نصرخ وجعاً، بل صرختنا احتجاجٌ على صمتٍ أرهق كواهلنا ولم يسمعه أحد. لم نكن نبحث عن مجدٍ زائف أو مكافأة عابرة، كان جلُّ مرادنا أن نُعامل ككائنات من لحمٍ ودمٍ وذاكرة، لا كأرقامٍ صماء في إحصائيات المعارك.
منذ اشتعلت هذه الحرب اللعينة، أطفأت الأزارق ما يقارب 700 شمعة؛ سبعمائة شاب في ريعان الضوء، غادروا منازلهم ليدافعوا عن وطنٍ لا يعرف أسماءهم، وعادوا في نعوشٍ صامتة لا تسأل عن الطريق. لقد ماتت الأزارق وهي “واقفة”، تماماً كالأشجار التي لا يراها أحد وهي تهوي.
الاستفاقة: معادلة “نكون أو لا نكون”
هذا ليس نواحاً، بل هو استجوابٌ جريء للتاريخ وهو في لحظة نومه. لسنا غاضبين، فالغضب عاطفة عابرة، نحن “متروكون”، والترك أعمق جرحاً وأطول أثراً من الغضب. لكن، حان الوقت لهذه المديرية أن تستفيق، وأن تنتزع مكانها في أي معادلة قادمة.
إن نصف قرن من الضياع، والشتات، والارتهان لدور “الجندي” التابع، كافية لإيقاظ الحجر. نحن لسنا مجرد أتباع، ولسنا مجرد جنود نُساق في ركاب الآخرين؛ نحن صُناع المجد لمن أراد المجد، ونحن الأكفاء القادرون على ترتيب واقعنا من جديد.
خارطة الطريق: القوة تفرض الواقع
إننا اليوم أمام مرحلة الاختبار الصعب: أن نكون أو لا نكون. لن نتحرر من هذا التهميش إلا بتكاتفنا وتعاضدنا، وبناء قوة عسكرية ووحدات منظمة من أبناء المديرية، تضمن أن يكون صوتنا مسموعاً ومصالحنا محصنة. فالقوة هي التي تفرض الواقع، والواقع هو الذي ينتج الثمر.
نحن نراهن على الجيل الصاعد، جيل النور الذي سيغير خارطة الطريق. ونشدُّ على أيدي الجنود المجهولين الذين يعملون بصمت لإعادة رسم مستقبل يليق بـ “مديرية الشهداء”.
ختاماً، يبقى السؤال معلقاً في أروقة الوطن:
هل يكفي أن نموت كي نصبح مواطنين؟ وهل المطلوب منا أن نُباد عن بكرة أبينا كي يُقال “كانوا عظماء”؟
نريد أن نعرف: هل نحن أهلٌ لوطنٍ غاب عن عزائنا؟ أم مجرد سطرٍ هامشي في كتابٍ يُقرأ ثم يُحرق؟
لقد آن للأزارق أن تقرأ عنوانها الخاص، وتكتب خاتمة تليق بصبرها الطويل.
