الحوار الجنوبي كمدخل لتصحيح مسار الصراع وإعادة بناء التوازن السياسي

تشهد الساحة السياسية في محافظات الجنوب تحولات متسارعة فرضتها جملة من التطورات العسكرية والسياسية خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي أوجد حاجة ملحّة لإعادة تقييم مسار العمل السياسي الجنوبي وإعادة صياغة أدواته بما يتناسب مع طبيعة المرحلة القادمة، خاصة مع اقتراب اليمن عموماً من مسار تسوية سياسية أوسع.
أحد أبرز التحديات التي واجهت التجربة السياسية الجنوبية في السنوات الماضية يتمثل في تنامي الخطاب المناطقي وتحوله من ظاهرة محدودة التأثير إلى عامل فاعل في إعادة تشكيل الاصطفافات السياسية والاجتماعية. هذا التحول لم يكن مجرد نتاج تفاعلات داخلية، بل وجد دعماً غير مباشر من أطراف إقليمية ودولية رأت في الانقسامات المناطقية بيئة مناسبة لتوسيع نفوذها داخل الجنوب، مستفيدة من حالة الاستقطاب التي برزت في المشهد السياسي.
لقد أثبتت التجربة أن التعامل مع هذه الظاهرة لم يكن بالمستوى المطلوب، بل إن بعض الممارسات السياسية والإدارية ساهمت – بقصد أو دون قصد – في تعميق الفجوة المناطقية بدلاً من احتوائها. ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة هذه الظاهرة لتشمل معظم محافظات الجنوب، بعد أن كانت محصورة في نطاقات جغرافية محددة. وتشير المؤشرات إلى أن بعض المحافظات ذات الثقل الجغرافي والاقتصادي قد تكون الأكثر تأثراً بتداعيات هذا المسار إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية سياسية شاملة.
في هذا السياق، تبرز فكرة الحوار السياسي بين القوى الجنوبية كفرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وإعادة صياغة قواعد العمل السياسي على أسس أكثر توازناً وشمولاً. فالحوار لا ينبغي النظر إليه كإجراء سياسي شكلي، بل كنقطة انطلاق لإعادة بناء التوافقات الداخلية وتصحيح الاختلالات التي تراكمت نتيجة الأحداث الأخيرة في عدد من المحافظات الجنوبية.
إن أهمية هذا الحوار تكمن في قدرته المحتملة على إعادة ضبط معادلة القوة السياسية داخل الجنوب، وفتح المجال أمام بناء تحالفات وطنية جديدة قادرة على إدارة المرحلة القادمة بكفاءة أكبر، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي قد تدفع بالملف اليمني نحو تسوية سياسية شاملة.
كما أن نجاح أي حوار جنوبي يتطلب الاعتراف بأن بعض حالات التباعد التي ظهرت في بعض المحافظات لم تكن بالضرورة تعبيراً عن تغيير في الهوية أو الانتماء، بقدر ما كانت رد فعل على ممارسات سياسية وإدارية اعتُبرت غير منصفة في إدارة الملف الجنوبي. ومن هنا، فإن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب مراجعة سياسية جادة تركز على إعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات والمناطق.
ومن الضروري أيضاً أن يتجه الحوار نحو بناء رؤية استراتيجية شاملة لإدارة المرحلة القادمة، بحيث تقوم على توزيع أكثر توازناً للأدوار السياسية، وتوسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً لمختلف المحافظات والقوى الاجتماعية والسياسية في الجنوب.
إن أي مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة يحتاج إلى قاعدة توافقية واسعة، وإلى إدراك عميق بأن نجاحه مرهون بقدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية، وإعادة توجيه الجهد السياسي نحو بناء شراكة وطنية حقيقية قادرة على التعامل مع تحديات المرحلة القادمة.
وعليه، فإن الحوار الجنوبي المرتقب يمثل فرصة سياسية مهمة لإعادة تصحيح المسار، وبناء مقاربة أكثر نضجاً لإدارة التوازنات الداخلية، بما يعزز فرص الوصول إلى مشروع سياسي جامع قادر على تمثيل تطلعات مختلف محافظات الجنوب في أي تسوية سياسية مستقبلية.
