الجنوب العربي والتحالف مع الرياض: بين الرهان الاستراتيجي ومتطلبات طمأنة الشارع

الجنوب العربي والتحالف مع الرياض: بين الرهان الاستراتيجي ومتطلبات طمأنة الشارع

يرتبط مستقبل القضية الجنوبية اليوم بجملة من التحولات الإقليمية والسياسية التي جعلت من العلاقة مع المملكة العربية السعودية عاملاً محورياً في رسم ملامح المرحلة القادمة. وفي ظل التحولات التي يشهدها الملف اليمني، يتزايد النقاش داخل الأوساط الجنوبية حول طبيعة العلاقة مع الرياض، وحدود الرهان على هذا التحالف، وما يتطلبه ذلك من خطوات عملية تعزز الثقة بين القيادة السياسية والشارع الجنوبي.

التحالف مع الرياض كخيار استراتيجي

تنطلق قطاعات واسعة من النخب والشارع الجنوبي من قناعة مفادها أن مستقبل الدولة الجنوبية المنشودة لا يمكن فصله عن محيطها العربي، وأن بناء علاقة استراتيجية متينة مع السعودية يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.

هذا التصور يستند إلى قراءة جيوسياسية ترى أن أي كيان سياسي في جنوب الجزيرة العربية سيكون بحكم الجغرافيا والتاريخ جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي العربي، وهو ما يجعل الشراكة مع الرياض خياراً استراتيجياً أكثر منه خياراً ظرفياً.

كما أن التجربة التاريخية لدولة الجنوب السابقة، وما رافقها من تموضع سياسي بعيد عن عمقها العربي، لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية الجنوبية باعتبارها تجربة تحتاج إلى مراجعة، خصوصاً في ظل المتغيرات الإقليمية التي أعادت صياغة موازين القوى والتحالفات في المنطقة.

تحدي الثقة بين الشارع والقيادات السياسية

رغم هذا الإدراك لأهمية التحالف مع السعودية، إلا أن الشارع الجنوبي يظل حريصاً على رؤية خطوات ملموسة تعكس ترجمة هذا التوجه السياسي على أرض الواقع.

فالمعضلة الأساسية التي يطرحها كثير من الفاعلين الجنوبيين لا تتعلق بمبدأ العلاقة مع الرياض، بل بمدى قدرة الفريق السياسي الجنوبي الموجود في العاصمة السعودية على إدارة هذا الملف بما يحقق تطلعات الشارع ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار الجنوبي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى رسائل طمأنة سياسية وعملية تعيد بناء الثقة وتعزز القناعة بأن مسار التفاهمات الإقليمية لا يأتي على حساب تطلعات أبناء الجنوب.

تمكين أبناء الجنوب كمدخل للاستقرار

يُنظر إلى تمكين أبناء الجنوب سياسياً وعسكرياً على أرضهم باعتباره أحد أهم مفاتيح الاستقرار في المرحلة القادمة. فبقاء الترتيبات العسكرية أو الإدارية خارج هذا الإطار يظل عاملاً قابلاً لإعادة إنتاج التوترات والصراعات.

ولهذا يرى كثير من المراقبين أن إعادة ترتيب الوضع العسكري والأمني في الجنوب، بما يضمن أن تكون إدارة الأرض بيد أبنائها، يمثل خطوة أساسية لتهيئة البيئة السياسية لأي تسوية مستقبلية.

كما أن معالجة هذا الملف تسهم في تخفيف الاحتقان الشعبي وتعزز الثقة في مسار التفاهمات السياسية الجارية.

الحوار الوطني الجنوبي: ضرورة لبناء الدولة

إلى جانب البعد الإقليمي، يظل العامل الداخلي أحد أهم محددات نجاح المشروع السياسي الجنوبي. فالدولة لا تُبنى فقط عبر التحالفات الخارجية، بل عبر توافق وطني داخلي قادر على إدارة التنوع السياسي والاجتماعي.

ومن هنا تبرز أهمية استكمال مسار الحوار الوطني الجنوبي الشامل بوصفه الإطار الذي يمكن من خلاله صياغة رؤية مشتركة لمستقبل الدولة، وتحديد شكل النظام السياسي، وآليات تقاسم السلطة، وبناء المؤسسات.

فكلما كان التوافق الداخلي أوسع وأكثر رسوخاً، زادت قدرة الجنوب على التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية من موقع قوة واستقلالية.

يقف الجنوب اليوم أمام لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التطلعات الشعبية مع الحسابات الإقليمية. وبينما يبدو التحالف الاستراتيجي مع السعودية خياراً واقعياً ومهماً لمستقبل المنطقة، فإن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تحقيق معادلة دقيقة: تعزيز الشراكة الإقليمية من جهة، وترسيخ الثقة مع الشارع الجنوبي عبر خطوات عملية تعزز حضور أبناء الجنوب في إدارة أرضهم وترسخ أسس الدولة المنشودة.

Author

CATEGORIES