أكذوبة الكفاءة في حضرة القرابة: قراءة في أسباب تفكك مؤسسات الدولة

في قلب المشهد الجنوبي، تتكاثر مؤشرات الفشل بينما تغيب فرص النجاح، وكأننا أمام تكرار عبثي لمعادلة مقلوبة تستبدل الكفاءة بالقرابة، والمسؤولية بالمحاباة، والرقابة بالتغاضي. إنّ واقع المؤسسات اليوم بات يئنّ تحت وطأة سوء اختيار الكادر الإداري، حيث لا يعبر الطريق إلى المنصب إلا من كانت له صلة قرابة أو معرفة بـ “صاحب القرار”، حتى غدا مبدأ “ابن المسؤول.. صهره.. قريبه” هو مفتاح السلطة، لا جدارة ولا مؤهلات.
النتائج؟ كارثية بكل المقاييس:
– مؤسسات تفتقد للمهنية.
– ترهل إداري يضرب عمق الأداء الوظيفي.
– غياب شبه كامل للرقابة الفعلية.
– تصاعد غير مسبوق لدور الفساد والمفسدين.
ومع كل ذلك، ينكمش الأمل وتتلاشى الطموحات، ويصاب الشارع العام بخيبة أمل تتغذى من مشاهد يومية يراها المواطن في مختلف القطاعات. النتيجة الحتمية لذلك هي تفكيك الحاضنة الوطنية، وتوفير بيئة خصبة للمتربصين بالمشروع الجنوبي، الذين لا يتوانون عن استخدام أكثر الأساليب قذارة لتشويه الحلم الجماعي باستعادة الهوية والسيادة والدولة.
الخطر الأكبر ليس فقط في وجود الفساد، بل في تقبّله كأمر طبيعي، وتراجع صوت النقد الفاعل، بل وسكوت كثير من القيادات التي كان يُفترض بها أن تقود مشروع الإصلاح لا أن تتوارى خلف مصالحها الضيقة.
إذاً، ما الحل؟
– يجب تجريم التوريث الإداري، وتكريس مبدأ الكفاءة معيارًا وحيدًا للتعيين.
– يجب تفعيل دور الرقابة والمحاسبة بشكل صارم.
– يجب أن يستعيد المواطن صوته، وأن يُعاد الاعتبار لصوت النقد المسؤول لا أن يُخنق تحت ضغط الولاءات.
في النهاية، إنّ استعادة الدولة تبدأ أولاً من استعادة المعنى الحقيقي لـ “الدولة” نفسها: المؤسسات، العدالة، الكفاءة، والضمير الحي. وإلا، فسنستمر في العدّ التنازلي نحو انهيار لا يرحم أحد.
بقلم عميدركن/ صالح قائد راجح.
