التعريف بالهوية الجنوبية وأبعادها الوطنية والثقافية محاضرة قُدمت لدى فرع اتحاد أدباء وكتاب الجنوب بلحج

سنتناول في حديثنا هنا موضوع الهوية الجنوبية من عدة زوايا، نظرا لأهمية وحساسية هذا الموضوع، عندما يتعلق الأمر بنا الجنوبيين كشعب تعرض لأبشع أنواع الظلم والبطش والقمع.
*توطئة:*
يبرز موضوع الهوية عادة في الأوقات التي يمر فيها البلد (أي بلد) بأزمة مجتمعية حادة، تستحيل معها أية معالجات، كنتيجة طبيعية للشعور بالظلم والإقصاء، ولقد كانت التطورات المتسارعة التي شهدها الجنوب بعد حرب الاجتياح كفيلة بتحريك دوافعه ونوازعه للتمسك بهويته الوطنية ورفض المحاولات العابثة بها.
لقد استهدفت هوية شعبنا بالتدمير الممنهج وبشكل علني وفاضح، في مسعى للتخلص من الجنوب شعب ووطن، واحتواءه إلى الأبد.
*الهوية (المفهوم والأبعاد).*
قبل الخوض في أغوار موضوعنا هذا من المناسب تقديم توصيف معين للهوية، وتحديد أبرز أبعادها.
الهوية: هي مجموعة السمات التي تميز شيئا عن غيره أو شخصا عن غيره أو مجموعة من الناس عن غيرها. وتنقسم الهوية الإنسانية إلى قسمين اثنين:
الهوية الفردية: تعرف شخصا ما بشكله واسمه وصفته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده.
الهوية الجمعية (وطنية أو قومية): تدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى، أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة.
العناصر التي تتبلور من خلالها الهوية الجمعية هي كثيرة أهمها اشتراك المجموعة أو الشعب في: الأرض، اللغة، التاريخ، الحضارة، الثقافة، الطموح وغيرها.
تطورت الهويات الوطنية والقومية بشكل طبيعي عبر التاريخ، وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرعت في تبلورها، كما أن هناك عدد من الهويات تكونت على أنقاض هويات أخرى.
برزت الهوية الوطنية الجنوبية، تبعا لعدد من العناصر أهمها: اللغة والدين والمذهب والثقافة والعادات والتقاليد المتقاربة، والتاريخ والجغرافيا الواحدة والمصير المشترك.
ومع إقحام الجنوب في الوحدة مع الشمال، وما تلا ذلك من حرب واجتياح، بذلت قوى الاحتلال أقصى جهودها محاولة إلغاء الهوية الجنوبية واستبدالها بالهوية اليمنية المتخلفة القائمة على التكوين الطبقي والولاء المذهبي المقيت، إذ بات موضوع طمس الهوية الجنوبية على رأس الأهداف المعلنة للمحتل، لما يمثله ذلك من مدخل ملاءم لابتلاع الجنوب والاستحواذ على خيراته دون أهله.
وفي سياق استدافها للهوية الجنوبية عملت القوى اليمنية على التخلص من المؤسسات المدنية والعسكرية الجنوبية، وإقصاء أبناء الجنوب من الوظيفة العامة، ونشر الأحزاب اليمنية، وإشاعة الفكر الديني المتطرف، وتغذية النعرات والخلافات داخل المجتمع الجنوبي، توجه من شأنه إفراغ الجنوب من قواه الحية والفاعلة والتهامه ثم هضمه بسهولة ويسر.
*الهوية الكلية والهوية الثانوية.*
في خضم الحديث عن الهوية، من المهم التفريق بين الهوية الكلية الوطنية الجامعة لنا كجنوبيين وذلك بما يتعلق بانتمائنا لوطننا الأم (الجنوب)، وبين الهويات الفرعية أو الثانوية أو الخصوصيات وذلك ما يتعلق بالديانة والعرق والمذهب، والقبيلة والعشيرة، التي ستظل محكومة بمعايير وشروط موضوعية، فوجود هذا التنوع ظاهرة إيجابية تعكس حالة التسامح والتعايش السلمي السائدة بين أبناء الوطن، فالوطن كالنهر الذي لن يستمر في الجريان والتدفق مالم توجد له الروافد والعيون والجداول المغذية، والتي بدونها سيستحيل إلى سراب، حيث تظل الهويات الثانوية تابع يدور في مسار الهوية الأصلية (الوطنية).
ومع التأكيد المستمر على واحدية الانتماء إلا ان ذلك لا يلغي معه التنوع في الهويات المحلية التي يتشكل منها المستمد الوطني.
لا يمكن للهويات الفرعية أن تطغى على الهوية الكلية، فالانتماء كقضية مجتمعية لا يكون إلا للوطن، حتى في البلدان التي تعيش حالة تعدد ديني وإثني يظل هذا التنوع من الخصوصيات التي لا يشترك فيها الجميع، ولا يكون هنالك انتماء مطلق لها، إذ لا يمكن ان تكون هذه التكوينات الجزئية بديلا للوطن. كما لا تستقيم هذه الهويات وتدوم إلا من خلال وجودها المتفاعل مع الهوية الكلية، فمصدر قوة الهوية الكلية ينبع من خلال اعترافها بالحق الطبيعي بوجود التمثيلات الفرعية أو الثانوية قبلية أو إثنية أو مناطقية.
أن التعصب للهوية المحلية يساهم في تقويض الوطن من الداخل ولو على المدى البعيد، فالهويات الضيقة من أكثر إشكالات البلدان التي تفتقر للحكم المؤسسي المدني، وتشير إلى انتعاش النزعات والاتجاهات التقليدية ما قبل الوطنية، وتتقاطع مع المعنى الحقيقي للدولة المدنية، وفي حالتنا الجنوبية لابد من الاستفادة من خصوصيات مجتمعنا وتوظيفها في سبيل المعنى الكلي للوطن، حتى لا يكون ذلك التنوع مدعاة لفقدان السلم الأهلي وتدمير المجتمع من الداخل. لدينا في الجنوب عدد من الخصوصيات تتمثل في الانتماء الجهوي والقبلي والثقافي وربما المذهبي.
الهويات سواء أكانت هويات وطنية أم هويات فرعية لا تعتبر مطلقة ونهائية، بل في حالة تجدد وتشكل مستمر، وهذه مسأله غاية في الأهمية، لذا من المتعين علينا أخذ الأمر هذا بعين الجدية، وتنمية هويتنا الكلية بشكل يخدم المصلحة العليا للوطن، وذلك بعدم جعل الهويات المحلية تستحوذ على الاهتمام والتفكير الجمعي، فالهوية المحلية تظل خصوصية متمتعة باعتراف الجميع، مع الحرص على عدم تداخلها مع الهوية العليا.
ما تشهده اليوم بعض بلدان الشرق أوسطية من نزاعات مذهبية وعرقية دامية، يشير بجلاء إلى غلبة الهويات المحلية للهوية الوطنية الجامعة، في ظل غياب للمؤسسات الوطنية وتخطي للقوانين، وتدخل عوامل خارجية، وفي واقعنا الجنوبي نواجه تحديات كثيرة في سبيل استعادة دولتنا والحفاظ على هويتنا الوطنية، وحتى لا تنتعش الهويات المحلية التي يراهن الأعداء على إيقاضها، لابد من الحرص والإقرار الواعي بالاختلافات والخصوصيات في إطار وطن متعدد الثقافات واستيعاب كل تلك الخصوصيات، لا استبعادها أو النظر إليها كإشكالات معوقة، بل باعتبارها عوامل مساعدة على التكامل والارتقاء بالوطن.
من غير الجائز بالمطلق حصر واحتكار الانتماء الكلي للوطن في هوية سياسية أو اجتماعية أو مذهبية، فالوطن للجميع، الكل مشترك في حب هذا الوطن والدفاع عنه والتضحية من أجله. إن تفشي بعض التصورات المغلوطة من إن منطقة أو طائفة أو عشيرة معينة معنية بالمحافظة عن مكتسبات الوطن دون غيرها، كما لو ان الآخرين لا يعنيهم هذا الوطن، أو عدم جدارتهم بالنهوض بالمهمة الوطنية، التفكير على هذا النحو له مضار كبيرة، وتداعيات خطيرة على مستقبل الوطن برمته، إذ تحمل هذه النظرة القاصرة مضامين ودلالات سلبية تعكس مدى التشظي الذي يمر به الوطن أصلا، وتدفع باتجاه تنامي الثقافات الضحلة التي لا تخدم الأهداف الوطنية.
من المهم هنا التأكيد على مشاركة الجميع في بناء الوطن وأهليتهم في تنميته وتطويره، وأصالتهم في الانتماء له، وتعزيز الحوار بينهم، فالوحدة الوطنية لا تستمر في ظل غياب التفاهم والحوار، ولا حوار في ظل حرب الهويات البدائية، لذا لابد من البحث عن أطر وصيغ وطنية تحقق مفهوم الحوار في الدائرة الوطنية.
*المنهج المدرسي ووسائل الإعلام.*
من أكثر المخاطر والتهديدات التي تواجهها هويتنا الجنوبية، محاولات حكومات الاحتلال المتعاقبة تكريس نهجها المعادي للجنوب وهويته، والترويج للهوية اليمنية المرفوضة في سياق المنهج التعليمي، فما أن تطالع المناهج المدرسية المعتمدة في التعليم الحكومي العام، حتى تلمس محاولات واضحة لتغييب هويتنا وثقافتنا وعاداتنا على صفحات هذه الكتب، ويمكنك ملاحظة هذا التوجه المعادي أيضا من خلال وسائل الإعلام التي يملكها نظام الاحتلال، سواءً المرئية أو المسموعة أو المقروءة، والتي تستعدي الجنوبيين بشكل سافر وتستفز مشاعرهم بموادها الإعلامية التي تفيض كذبا وزورا، وتكرار حديثها عن الهوية الواحدة والبلد الواحد والمصير المشترك، دون الاكتراث لما يتمتع به الجنوب من حضارة موغلة في القدم وما لعبه الإنسان الجنوبي من أدوار بارزة عبر التاريخ، في مسعى لإلغاء الهوية الجنوبية بالتوازي مع الممارسات التي تضطلع بها بقية مؤسسات حكومة الاحتلال.
وحتى نواجه هذا الشكل من العداء، ينبغي علينا توظيف تعليمنا بشكل هادف، ورفض محاولات التسويق لمشروع الاحتلال العفن في تعليمنا، والامتناع عن تناول الموضوعات الدراسية المعادية لقضيتنا وهويتنا، وضمان نقل الحقائق والأحداث للأجيال القادمة بكل حيادية. وعلى الصعيد الإعلامي يتعين علينا تسخير مختلف وسائل الإعلام المتيسرة في أيدينا، بكفاءة ومهنية والتركيز فيها على هويتنا وثقافتنا، وفضح المحاولات الآثمة للاحتلال للنيل من بلدنا ومستقبل أجيالنا.
*التاريخ والثقافة*.
يمتلك الجنوب إرثا تاريخيا وثقافيا ضارب جذوره في أعماق الزمان والمكان، وقد حققت الجنوب مراتب متقدمة في مخزونها الثقافي بين بقية البلدان من حولها، وبعد حرب الاجتياح الظالمة عمل المحتلون على تهميش الجنوب ثقافيا، فسخر نظام الاحتلال كل طاقاته في سبيل تدمير الجنوب والقضاء على إرثه الحضاري، وتزوير تاريخه وتحريفه بما ينسجم مع الهدف السياسي العام للنظام، حيث سعى الاحتلال بقوة لإزالة أية معالم أو آثار تؤشر لوجود دولة وشعب في الجنوب.
كما مورست أعمال عبث غير مسبوقة وتدمير ممنهج استهدف المؤسسات الثقافية من خلال إضعافها وتفكيكها وتسريح موظفيها، ومن هنا ينبغي علينا استعادة مؤسساتنا الثقافية والاهتمام بها والعمل على تطويرها، والبحث عن مصادر لتمويلها، والاعتناء بالرموز الثقافية، فالحفاظ على ثقافة البلد يساهم في الحفاظ على هويته، الشعوب التي تفتقر للثقافة والتاريخ والأدب تفتقر بالضرورة لعوامل التماسك والبقاء.
*التركيبة السكانية.*
تمثل التركيبة السكانية المتجانسة في أي بلد أحد أبرز عوامل استقراره ونمائه وتطوره، فحالة الانسجام بين أفراده عبر عقود من الزمن ساهمت بالضرورة في تكوين عادات وتقاليد وأعراف ولهجات وأنماط حياة لهؤلاء السكان، توجه دفة حياتهم، وتساعد على تعايشهم بسلام وتفاعلهم بشكل إيجابي. حيث تحرص جميع الدول على عدم إحداث أي تغييرات تضر بالتركيبة الديمجرافية للسكان، لما لذلك من تداعيات على استقرار البلد.
وقد سعى نظام الاحتلال بقوة لتغيير التركيبة السكانية في المدن الجنوبية، واستقدم أعداد كبيرة من مستوطنيه إلى مدن الجنوب، وقدم مختلف التسهيلات اللازمة لأعمال توطينهم، كما عمل بشتى الوسائل للتضييق على حياة السكان الأصليين، ودفعهم للهجرة من مدنهم، لجعل الجنوبيين أقلية في بلدهم تفتقر لأبسط عوامل البقاء والسيطرة على الأرض، في حين يتحكم الغرباء بالمؤسسات الحكومية والمقدرات الاقتصادية، وهذا ما بات يهدد السلم الأهلي للسكان، ويخلق خلل واضح في المنظومة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق ينبغي على الجنوبيين أفراد ومؤسسات وكيانات سياسية، رفض أشكال التغيير الممنهج للتركيبة السكانية في بلدهم، والتي برزت مؤخرا بصور وأشكال مختلفة، والعمل بقوة على إحباطها.
*التطرف والتعصب المذهبي.*
مثلت الأرض الجنوبية حالة خاصة بين بقية بلدان المنطقة، عندما يتعلق الأمر بالتعايش والتسامح الديني بين السكان وعبر قرون من الزمان، فقد ظلت الجنوب عامة وعدن خاصة خير مثال للتعدد والتنوع الثقافي والديني، حيث شهدت تعدد مذهبي لافت، إضافة لوجود عدد من الأقليات السكانية التي تحظى بالاحترام والقبول، فقد انصهرت كل التشكيلات الثقافية والدينية في بوتقة واحدة، وخلقت واقع حياتي جديد قوامه التسامح والعيش بسلام، ولم تكن هنالك أي مؤشرات عن وجود عداء أو مشاعر كراهية بين السكان، ولم نسمع عن حالات تمييز أو فصل مذهبي أو عنصري.
بعد حرب الاجتياح والسيطرة على الجنوب، عملت القوى والأحزاب اليمنية على نشر الفكر المتطرف في الجنوب، وأنشأت مراكز ومؤسسات تعليمية تُعنى بنشر التطرف والتعصب المذهبي لتحقيق مآربها السياسية، فتمخضت عن ذلك أعمال عنف مختلفة، وخلفت حالة من العداء بين أبناء المجتمع الواحد، معرضةً النسيج الاجتماعي للتفكك والسلم الأهلي للخطر.
ومن هذا المنطلق تحديدا يتعين علينا العمل على توعية الشارع المحلي الجنوبي بمخاطر التطرف على هويتنا ومستقبل قضيتنا الوطنية العادلة، وفضح الجهات والمؤسسات الواقفة خلف هذه الممارسات.
كما ينبغي على القوى السياسية الجنوبية العمل على رفض النشاطات المشبوهة لأي جهات داخلية أو خارجية كانت فيما يتعلق بتنمية العصبيات المذهبية سواء من خلال الترويج أو الاستقطاب أو التمويل، واعتبار ذلك تعديا سافرا على سيادتنا.
*التوصيات:*
تم طرح عدد من التوصيات في هذه المحاضرة منها:
– التمسك بالهوية الوطنية الجنوبية (الكلية)، كوسيلة أساسية لاستعادة وطننا المسلوب.
– رفض أشكال العبث بهويتنا الجنوبية المتبعة من قبل نظام الاحتلال، والعمل على تعرية مشاريعه السياسية.
– السعي لتعزيز وتنمية ثقافتنا الجنوبية في مختلف المجالات، والعمل على تأكيد وتأصيل الروابط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
– رفض مخططات المحتل والرامية لتغيير التركيبة السكانية في المدن الجنوبية، وخلق الوعي المطلوب لدى الشارع المحلي الجنوبي بمخاطر هذه الممارسات.
– مواجهةالدعوات الهادفة لإثارة النعرات المناطقية والمذهبية في الجنوب، ورفض أشكال التعصب والتطرف، واعتبار ذلك مدخل لتمزيق وحدة الجنوبيين وتثبيط دوافعهم الوطنية.
