ستة أيام في حضرة مشفى أبن خلدون بلحج.. وما حكاية الجامع الكبير الذي ألتهم باحات المستشفى

من دوام حرصنا فكما وعدت أولئك بأنني وحينما أخلد للراحة سأكتب عن نماذج من معاناتهم وأنقلها كما هي، فستة أيام قضيتها متردداً على فناء وباحات مستشفى ابن خلدون العام، جمعني فيها بالطبيب والعامل وبالمرافق والمريض والممرض فرص، فما من شيئ تلمسه وتحسّه منهم يقع بمنزلة الثناء والمديح سوى طعم المرارة والألم يتدفّق من على لسان كل واحدٍ منهم.
فالواقع لا يكذب؛ بل ويحكي ذلك، فلا للمجال الصحي بجنوح السفينة أن ينجو هو بنفسه من الغرق، فكما يقال “ما سلوك إلا جماعي، فلا يمكن بجزء او جانب من الجسد أن يصبح ويمسي جيداً على خلاف جسداً بحاله متهالكاً غير متماسك.
وبما أن التطابب والتداوي حساس ومهم لا يقبل المهادنة، لهذا وإن تراجع سرعان ما تبرز مظاهره إحباطاً على وجوه الناس، فخذها إن شأت من سيفي او من رمحي، ففي كلتا الحالتين أنت صيدي وفريستي، فإن لم يقتلك الداء قتلك الفساد واللامبالاة.
حكيات وحكايات تروى لروادٍ قضوا نحبهم تحت وقع الإهمال والتسيّب “خميس وجمعة وسبت لا من طاقمٍ مناوب للجراحة وكأن بين الناس والقدر في هذه الأيام تسري هدنة ـ رجل يأتي بزوجهِ في حالة عسر والادة وهي بحاجة لعملية مستعجلة، ولكن لا من منقضٍ ينّقضها، إذ تستعد للموت، ومن خلفها من يصيح ويسأل المولى على العون والمساعدة ـ آخر يشتكي عن خطا طبي أدى لشل قدرات احد الأعضاء، ومن بعد نكران وبما تخلله من أخذ ورد طلوع ونزول، يعترف المعنين بذلك، لكن مقابله الكل تخلّى عن مسئوليته المادية تجاه من أرتكب بحقه الخطا، ولا من منصفٍ وعدلٍ فإلى أين الملتجاء…..
وكل هذا شيئ ولطّقوس شيئاً أخر، فكما تراها على هيبتها وهيئتها تحمل البشرى والخير، ولكن بإمكانك أن تضع حولها علامة تعجّب وتعّجب!! .. وبسؤال عن مسجدٍ كبير بحجم جامع يبنى داخل حرم مرفق متواضع كمرفق أبن خلدون، ويمتد من البوابة الرئيسية نحو الداخل بمسافة ما يقارب الأربعون متراً، وبمنارة تناطح السماء، في الوقت الذي فيه قد لا يحوي المشفى من قدر المصلين إلا ما يقرب من بين السبعين إلى المئة عند أقصى حد، وبإمكان مصللى او مسجد صغير أن يؤدي نفس الغرض، ودون العبث بالمساحات التي يمكن يوماً ما أستغلالها ببنا مراكز صحيّة تنفع الجميع؟
وفي هذا التضخيم من حجم العطاء ما يجعلك تشعر وتحس بأن من وراء الموضوع سراً ما مجهول، فقد ربما تقمّص أصحابه ذات العمل بهدف الوصول إلى غايتهم، وعن طريق إبتداع فكرة خطرت ببالهم، ظاهرها النُبل وباطنها العزل، وهي الكفيلة يوما بإجبار نقطة البوابة الرئيسية ومن أجل تسهيل دخول المصلّين القادمين من وإلى الحارات المجاورة والمقابلة، بالعودة الخلف إلى ما يقابل بوابة المسجد التي تظهر من خلال المخطط بأنها تقع داخل ذات الفناء.
ومن المعلوم بأنه من سابق قد نهبت الحدائق المحاذية للطريق العام لحج عدن، والمعدة للنقه وإبراز جماليات المشفى أردها هكذا المتبرّع (دولة الكويت الفتيّة) جزاها الله خيراً عن ذلك، ومن قبل متنفذين، مسئولين ـ تجار وأطباء وقد حوّلت منها إلى مراكز تجارية ومنها إلى صيدليات وعيادات خاصة، والآن عاد من يواصل السير بدأب في نفس الاتجاه، مغتنماً الفرصة، وبقضم المساحات والملحقات المتبقية خطوةً بخطوة، وتحت يافطة هي أكثر حساسية من كل اليافطات.
