سياج المتناقض وصناعة الأزمات
للمتناقضات سياجاً بسيط يفصلها عن بعضها البعض، وإذا ما توفرت الأسباب الموضوعية لسيادة إحداها تصبح القيمة تتناسب مع التفكير المحاصر بالمفهوم ذاته لدى الناس..عملاً بالمبدأ الرياضي بأن الصفرية محايد يتوسط خط الأعداد مابين السالب والموجب.. ليكون انتقالنا أبناء البشر من محور اليمين إلى محور اليسار تجاوزا لذات الرقم هو أمراً طبيعي وأن نجد أنفسنا عنده نتصرّف وفق ما نحن فيه من واقع بديل ينمو في مجمله حوالينا بإطرادٍ مستمر، وإذ يصبح الجرم بأشكاله المختلفة سلوك يتناسب مع ما إلفناه وبلغناه من مستوى إنحدار قِيمَي.
ولتكون صناعة الأزمات فوق الأزمات، هي إصرار على تكرار نهج الفشل الذريع الذي منينا به كناتج لانحراف أنفسنا، فأصبحنا بعده ندور في حلقة مفرغة، وبموجبها غدى لا حرج عندنا من ارتكاب ممارسات مشينة نحسبها من وجهة نظر نصرًا لنا تكسبنا الوقار والبطولة، وهي تعزز من حضورنا السلبي ما ليس إلا
وهذا سبب كافي يبطل التعجب إزاء إصدار الحكومة كل يوم سندات بجرعٍ جديدة تشدد بها الخناق على من حولها، كعمل ليس له ما يبرره إلا إنها تُقدم على ذلك مراراً وتكراراً، كعقاب جماعي، ومن باب تعاظم عامل سلبية الأخلاق السياسي لديها، مرتجلة في توزيع مزيداً من هبات الرزاياء والمصائب، تثقل بها كاهل من تطاله يدها من الناس، فتجعل بهذا التعنيف المباشر نشوة تمنحها قيمة مضافة على خُطى انكسارها أمام حرب الحوثين.
ومواجهتنا وكل من انبرى ينتقد ويدين تلك القرارات، ليس لأنّا نتوق للتحرر من الهيمنة والظلم، انطلاقا من إيماننا العميق بحقنا في العيش الكريم، ولكن بقدر ما هو الخوف كل الخوف من صعوبة العودة بعدها إلى الوراء، وإذا ما بلغت الممارسة السلبية للحاكم والحكومة حدود تفقدهم التحكّم فيها. بالمعنى المعمق البسيط والبعيد عن التعقيد والتركيب ” كلما امعنت السير في الاتجاه المعاكس مسافة كلما أرحت نفسك وأزحتها عن الطريق القويم بقدر امعانك للسير ذاته.ولتجد نفسك بلغت مبلغاً إن أمكنك التفكير إستجابة للضمير ــ بحثاً عن التوبة من الذنب، حينها تحتاج للعودة بذل سعة جهد أضعاف مضعفة عن ما بذلته سابقاً من جهد أفقدك إستقامتك.
والمسألة هنا كما يتضح هي أصبحت اليوم تتعدى بنا جميعاً ما دون الصفرية، وما كان ينبغي فيها لؤلئك القيام بذلك، وبالتخلّي عن المسؤولية الكاملة تجاه معاناة المواطن، إلا إلى المحافظة عندها ولو على نسبة متواضعة من الاعتدال الإيجابي، والعمل على خلق روح السكينة والطمأنينة لا بضرب الاستقرار المعيشي للبسطاء في صلبه فوق ما هو قد ضرب أصلاً من قبل، وهذه المرة عن طريق رفع جمارك الموانئ المحررة، بنسبة عالية جداً تتعدى المعقول، والمعمول به! وفي سنين عجاف تجاوز أسى السابعة ما قبلها من سنين ولازال تباشير هلال الثامنة على وقع أزيز الطائرات وصوت رصاص البنادق ودوي المدافع يّزف معصوب الجبين، راكباً متن سفينة الأمل الجانحة ــ باسطاً ذراعيه يأساً وإحباط.
