في ذكرى أمي

 

آآآهٍ يا أمي الحبيبة!!!
سنوات ست مضت منذ أن غبتِ يا أغلى وأطيب وأرق وأنبل إنسان في حياتي.
سنوات ست أشدِّ مرارةً من العلقم، قاسية أقسى من الصخر، متطاولةً كأنها الدهر، آلمني فيها غيابك مثلما لم يؤلمني حدثٌ آخر منذ عرفت الكون.
كنت أعلم يا أمي مذ وعيت على العالم أن الموت مؤلمٌ لكنني لم أتصوره كألم غيابك الأبدي عني.
سنوات ست وأنا يا أمي أستعيد تلك اللحظة المؤلمة التي تلقيت فيها نبأ غيابك، فأعيشها مرةً أخرى وكأنني اتلقى النبأ للمرة الأولى،
سنوات ست وأنا استرجع الخديعة التي أوقعت نفسي فيها حينما وعدتك أننا سنلتقي وسنعوض ازمنة التباعد وسنوات الغياب، ونسيت أن الزمن لا يمهل وأن القدر لا يؤجل مواعيده ولو لثانية.
آآآهٍ يا أمي
كيف لي أن اشرح الفراغ الفاجع الذي صنعه غيابك، وكيف لي أن أصور لك الألم الذي يداهمني والوحشة التي تغمرني كلما تذكرت أنني لن أراك من جديد.
أعرف يا أمي انك ستسامحينني عن كل تقصيراتي معك واخطائي في حقك، لكن كيف لي أن أسامح نفسي وقد فرطت بأجمل وأروع لحظات العمر التي كان يمكنني أن أعيشها بين أحضانك، وبالقرب من صدرك الحنون ونفسك المغمور بعطر المحبة وعبير النقاء وصفاء العذوبة.
أعرف يا أمي أنك قنوعةٌ وزاهدة في مغريات الحياة، ولم تكوني تطمعين في شيءٍ منها، لكنني أعرف وأعترف أن تقصيري معك وأن شمل الكثير من تلك الماديات إنما كان يتمثل في انصرافي عنك إلى مشاغل الحياة التافهة والتزاماتها المقيتة التي أضاعت مني أهم وأثمن الفرص وأغلاها سعراً وأعلاها قيمة ومقاماً.
ليتني أستطيع استرجاعك ولو لبرهةٍ لأقبل قدميك، وانتحب على صدرك، وأبثك أحزاني وأشكو لك همومي ومخاوفي، لتطمسي كل هذا بلمسة حنان وكلمة طمأنه ودعاء صادق، كما كنتِ تفعلين لسنوات وسنوات.
وداعاً يا أمي فذكراك لن تبارحني، ورائحة حنانك لم تغب عني، وصوتك البهي يسامرني ويسايرني آناء الليل وأطراف النهار.
نامي يا أمي في كنف الرحمن الرحيم، نامي في ملكوت المغفرة الإلهية واهنأي بقرب أبي الحبيب في عوالم الخلود حيث لا صراخ ولا زعيق ولا مضايقات ولا نزاعات ولا هواجس ولا مخاوف ولا شكوى ولا شكوك.
أبتهل إلى الله أن يغفر لكما ويعفو عنكما ويرحمكما ويحسن مثواكما ويجعل جنة الخلد مأواكما مع عباده الصالحين.
أسأله تعالى أن يجمعني بكما في رحاب التوبة والمغفرة والرحمة
إنه كان على كل شيءٍ قدير.
والحمد لله على ما حبانا من سرّاء وما ابتلانا من ضرَّاء، واستغفره وأتوب إليه إنه هو التواب الغفور الرحيم.

Author

CATEGORIES