وداعاً يانجيب القلم والحرف
كإيبة تُشرق كعادتهِا شمس الصباحِ على مددننا والقرى ـ ودياننا سهولنا والبوادي، ولكن هذه المرة سِمعنا لطلوعها صوت نحيب ليس كأي نحيب، إنه نحيب الحروف والكلمات !! لقد رحلَ نجيب. نعم: مات ذلك الإنسان الشعبي ـ الطيب ـ المثقف ـ المهادن ـ والمشاكس الفذ ـ الفهرس والموسوعة ومخزن المعلومة وموثّقها.. رحل من قضى عمرهُ يمتشق سيف الكلمة والحرف ويبرز متحدّياً يقارع الأشداد والأفذاذ في شتّى الميادين الثقافيٌة ..رحلَ فلم يعد من بعد اليوم يوجد فينا نجيباً يُنجبنا.. رحل من تُعلّمنا سيرته على الدوام سراً ” إن كنت ذا ثقة تحبُ الخير “فالباطل دائماً هو من يبادر يأتي إليك ولا تذهب أنت إليه..
ترجّل وتَركنا في وطنٍ مُهان نجحس فراش العراء، نتلحّف مصائب الدهرِ بلا توقّف وفي نماءِ بورصةِ الأحزان نستثمر أحلامنا بلا توقّف، لتعود علينا فوائدها بالكثير من الألم والمآسي والذُل وبلا توقّف. نأمل أن نطِل على نافذة المكسب الكريم والآمِنَ ولو لمرة واحدة ولكن هيهات. هيهات لنا ذلك..فإلى الآن ما زلنا ندخل في خسارة ونخرج إلى خسارة أكبر، نجرّها النكبة تتلوها النكبة ولا من مقامٍ يعصمنا.
نجمُ أفلَ قبل ميعاد أفولهِ توارى عن الأبصارِ واختفى عن الأنظارِ بلا عودة ولا رجوع، كأنه من مجال سماءهِ ملّ فينا أموراً كثيرة…ما يذكٌرنا فيه بصيرته الثاقبةـ حضوره وصدره المتّسع ـ ردوده وتعقيباته الساخرة على الصحف والجرائد والمجلات، يذكّرنا فيه صَخب أفكاره ـ مفاجأته المدوشة لأصحاب الحماقات والفبركات، يذكّرنا تصديه وتصيّده للتحريفات المعقّدة والمتعمّدة ثم كشفها وتوجييها توجيهاً صحيحاً، يذّكرنا فيه أخلاقه العالي وثقافته النيّرة، يذكّرنا تواضعه ـ نقاوة حسّه ـ صحّة ضميره ـ تقديره للأخرين واحترامه لخصوصياتهم، يذكّرنا تعلّقه وشغفه الكبير بالموروث الشعبي وبعادات وتقاليد البلد، يذكّرنا فيه حرصهُ على المتابعة ودون ما كلل او ملل، يذكٌرنا تقديسه للتّنوع وللحرية وكراهيته للإستعلاء والكَبر والتّقزيم والاستحوذ الغير شرعي ـ منطق دفاعه المقنع عن الحقوق والملكيات، كلّه يذكّرنا بنجيب، يذكّرنا فيه حبه لإضهار الحقيقة ومهما كلفه ذلك من ثمن..وما يذكّرنا أيضاً إنّه نجيب الشعبي إسماً على مسمّى.
ذلك هو المعلم ولأستاذ الفاضل والمدرسة المفتوحة للجميع بلا مقابل، سليل مجد مناضلين كُثر أبلّى وأهدّى وأعطّى ـ جادل ونقّى ونقّحَ، قيّض فكره وعقله لخدمة ناسه ومجتمعه أوفا ولم يرتج التعويض يوماً من أحد، سخر بسخاءٍ قلمهُ وجنّدهُ في سبيل التنوير ومجاهدة الزيّف والردئ، ليرتحل أخيراً عنٌا كمن أصبحوا وأمسوا من بيننا يرحلون وبلا سابق إنذار او إستئذان نحسّهم ونراهم من أمام أعيننا كأوراق الخريف يتساقطون، وفي زمنٍ نحن فيه بأمس الحاجة إليهِم، ولكنه قضاء الله وقدره الذي ما من حكمهِ مفرٍ.
رحم.الله نجيب ورحم من مات مسانداً للحق واقفاً في وجه الباطل.
