كتاب «نبيل القعيطي .. شهيد الكلمة..ابتسامة وطن» – الحلقة الثالثة والعشرون ( مواقف شمالية مشبوهة عقب الاغتيال)

الاستدلال الثالث: مواقف شمالية مشبوهة عقب الاغتيال
على الرغم من كل الأدلة التي سردناها، وتثبت تورط قيادات في الشرعية وأجندتها، وتؤكد الحملة التحريضية الموجهة من قبل الإخوان على المصور الحربي العالمي نبيل القعيطي قبيل مقتله، إلا أن رئيس لجنة التدريب والتأهيل في نقابة الصحفيين اليمنيين، نبيل الأسيدي (شخصية إعلامية شمالية)، نفى في اتصال له مع لجنة حماية الصحفيين، ومقرها نيويورك، أي تهديد تعرض له القعيطي من أي جهة قبل مقتله، وبعد أن أوضح الأمر له، قال معتذراً: “ليس لدي علم عن تلقي القعيطي أية تهديدات في الآونة الأخيرة”، ومع ذلك جعل تصريح نائب الدائرة الإعلامية للمجلس الانتقالي السالف الذكر، نوعاً من التكهن، حيث قال: “لعل هذا ما جعل صالح يتكهن بأن قوات مرتبطة بالحكومة أو حزب الإصلاح تقف وراء مقتل القعيطي”.

نبيل القعيطي على طقم محترق تابع لبن معيلي المأربي
من جانبه استنكر المجلس الانتقالي الجنوبي، طريقة تعاطي الحكومة اليمنية في مقتل الصحفي نبيل القعيطي، وجاء هذا الاستنكار على لسان منصور صالح، نائب رئيس الدائرة الإعلامية في المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي وصف بيانها بالضعيف والمشبوه، وكانت وزارة الإعلام في الحكومة اليمنية قد أنزلت بيان تنديد وشجب بمقتل القعيطي، نشرته وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، ولكنه بدا على استحياء، كان مبرراً أكثر منه تنديداً، حاولت من خلاله ذر الرماد على العيون، رامية المسؤولية كل المسؤولية على المجلس الانتقالي الجنوبي الذي سيطرت قواته على عدن في آب/ أغسطس 2019م، وأعلن الإدارة الذاتية للجنوب في مطلع العام الجاري 2020م. ومشترطة عودة الحكومة لتمكين أجهزتها في ضبط حالة الانفلات الأمني والفوضى المستشرية في عدن بعد رحيلها قسراً بحد وصفها، ومعلنة أن لا سبيل للخروج من هذا النفق المظلم الذي “طال الكثير من الأبرياء إلا بعودة الحكومة وتنفيذ بنود اتفاق الرياض”، بحسب قولها، وكأن الإرهاب والاغتيالات لم تطال الكوادر الجنوبية إلا بعد رحيلها وإعلان الإدارة الذاتية.
كل هذا في كفة، والصمت المطبق والمعيب الذي بدا على حال المنظمات الحقوقية والمدنية ومراكز الإعلام الشمالية في كفة أخرى، وكذلك الحال بدا على مستوى السياسيين والإعلاميين الإخوانيين والذين يحسبون أنفسهم على الجنوب ويتكلمون باسمه، وهم بعيدون غاية البعد عن همه وقضاياه، يسترزقون باسم الجنوب كذباً، ويدعمون جهاراً نهاراً مشروع الشمال “الوحدة أو الموت”، كياسر اليماني وعادل الحسني وأنيس منصور، فهؤلاء حرضوا كثيراً على الصحفي نبيل القعيطي قبل مقتله، وبعد مقتله نشروا تغريدات ساخرة ومنشورات شامتة، فهذا المعتوه ياسر اليماني أنزل في صفحته بتويتر هذه التغريدة التهكمية الدالة على لؤمه وشماتته للجنوبيين وانتمائه للهوى الشمالي، عقب مقتل القعيطي:
وعن الصمت المطبق الذي خيم على منظمات المجتمع المدني والحقوقي الشمالي عقب مقتل القعيطي، نشر الكاتب والسياسي الجنوبي أمين اليافعي، مقالاً تحت عنوان (ورقة توت أخيرة)، يحاجج به إعلامياً وباحثاً حقوقياً شمالي الانتماء، لديه مؤسسة إعلامية وحقوقية، ويستوضحه بشأن عدم إصدار مؤسسته بيان نعي أو إدانة لجريمة اغتيال شهيد الحقيقة المصور الصحفي نبيل القعيطي، وحسب ما ذكره اليافعي، في مقاله الذي نشره عبر حسابه في فيسبوك، ورصده موقع (عدن تايم) “برر الباحث والحقوقي الشمالي عدم إصدار مؤسسته بيان النعي لكون الصحفي المغدور به مراسلاً حربياً مثيراً للجدل، إلا أن الرد كان قوياً ألجم فيه الباحث، ودفعه للصمت والعجز عن مواصلة النقاش مع اليافعي، حيث ذكّره بإصدار مؤسسته بيانات نعي وتضامن مع صحفيين وكتاب لانتمائهم الشمالي رغم إثارتهم الجدل، وهذا نص ما استهل به أمين اليافعي مقاله: “سألتُ صديقاً من الشمال، وهو إعلامي وباحث وناشط حقوقي بارز، ولديه مؤسسة حقوقية وإعلامية مرموقة من منعهم كـ”مؤسسة” من إصدار خبر نعي أو على الأقل، الدعوة إلى فتح تحقيق شفاف ومحايد في جريمة الاغتيال الغادرة التي تعرض لها زميلهم المصور الصحفي العالمي نبيل القعيطي. كان رده الفاقع بأن بياناتهم وإداناتهم تقتصر على الضحايا المدنيين فقط، وهي إشارة ملتوية إلى ما يُشاع عن نبيل كـ”مراسل حربي”.

نبيل القعيطي مع عبداللطيف السيد في جبهة أبين
وأضاف اليافعي “لم أرد عليه بالإشارة إلى التغطية الواسعة والإيجابية التي حظي به شهيد الصورة نبيل القعيطي في وسائل الإعلام العالمية، كعلامة واضحة على تضامن انطلق من موقف مبدئيٍّ ومتعالٍ مع زميل مهنة تعرض لعملية تصفية غادرة، بل لم أذهب في غمزي ولمزي له في وجاهة مدنيته المدعاة إلى ما هو أبعد، وتذكيره بأن محكمة أمريكية رفعت دعوى قضائية ضد الحكومة الأمريكية على خلفية تصفية أنور العولقي بدون توفر قرار سابق من المحكمة، أي كإجراء تم خارج إطار القانون، مع أن أنور العولقي كان إرهابياً صريحاً واضحاً، ويدعو إلى قتل الناس ويُنظَّر للعمليات الإرهابية بكل فجاجة ضد كل المختلفين، بما فيهم المدنيين”، وتابع اليافعي”وعلى ضوء كل ذلك، لم أطلعه على استنتاجي السخيف والاعتباطي من هكذا مقارنات مختلة، ولم يعد له أي قيمة في سياقٍ كهذا، حيث بدا لي هذا الصديق ومؤسسته – من خلالها – أكثر تطرفاً في المدنية والتحضر من أعرق جميع مؤسسات العالم مدنية، وبدلاً عن كل ذلك، طرحتُ عليه سؤالاً سخيفاً: باعتقادك، هل يعني أن التضامن مع الصحفي البارز عبدالكريم الخيواني بعد عملية اغتياله مثّل خدشاً شنيعاً في حللنا المدنية الغليظة، رد: هاااه!، كنتُ بالطبع أتذكّر جيداً تقرير مؤسسته الطويل العريض الواسع في تلك الحادثة الأليمة والتي عبّرنا جميعنا عن إداناتنا وتضامنا، ولم نلتفت إلى مواقفه السياسية لحظتها، ولا إلى ممارسات الطرف الذي انحاز إليه عن قناعة تامة، كان كل ما يهمنا هو أن نعلن تضامناً خالصاً مع حادثة دنيئة تعرض لها زميل إعلامي، وهو موقف لن نندم عليه قط”.
ولم يكتف اليافعي بهذا التذكير، ولفت إلى أنه “بعد نصف ساعة، عاد إلى الشات وكأنه يجر بأصابعه جبلاً من جبال اليمن، فيطرق بها على لوحة مفاتيح التلفون، وأسمع دويها في أقصى الأرض، فكتب: “الوووووو.. أنا أسف على الانقطاع بسبب رداءة الشبكة”، وفي الحقيقة، هذه المرة كنتُ وغداً، فلم أمهله وقول ما يلزم من رسميات التواصل، لهذا بادرته بالقول: عبدالعزيز المقالح نفسه ظهر في إحدى المرات أثناء معارك حرب 1994 اللعينة بجوار علي عبدالله صالح في قاعة جمال عبدالناصر بصنعاء، ومما قاله “إن الدماء التي تسيل في الجنوب ستروي شجرة الوحدة والحرية” هل يمكن اعتبار المقالح من هذه الزاوية المدنية البحتة التي تستلها بكل جدية وصرامة مثقفاً حربياً، وبالتالي لا يستحق الذكر، فضلاً عن الترحّم عليه إذا غادر الحياة الفانية سواء بطريقة طبيعية أو بطريقة قذرة، تمالك نفسه هذه المرة، فأبدى دهشته “بالله…إيه والله، واتحدى المقالح ينكر، وأرشيف تلفزيون صنعاء شاهد على ذلك”، أكملتُ طريقة الوغدة في الحديث. صمتْ الصديق، ومعه صمت كل معنى الصداقة، وإلى الأبد”.
وبعد صمت الباحث الشمالي يواصل اليافعي في سياق مقاله، حديثه عن الشهيد القعيطي ” كما نبيل، أول ما بدأنا نهتم بالقضايا العامة، كان الأمن المركزي الذي يتبع نظام صنعاء يقتل ناشطي الحراك السلميين بكل خفة وعنجهية وبردة، وقبل ذلك مررنا بظروف حياتية مأساوية بفعل حرب 1994 نبيل هو ابن هذه المرحلة المضطربة والمختلة والمجنونة بكل ما للمعنى من كلمة، جاء من أسرة بسيطة فقيرة عادية، لم تُفتح له أبواب الجامعات والمؤسسات والمكاتب الفاخرة، وأول ما أمسك بكاميرته كان يقف في منتصف الشارع، وفي ملتقى جميع أنواع الرصاص التي يطلقها جنود الأمن المركزي من كل حدب وصوب تجاه متظاهري الحراك، كان كل ما امتلكه قلب شجاع يغوص به إلى عمق الحدث، وعمق الاشتباكات، وعمق العنف. ومع كل الجرائم والمآسي التي مر بها، وآلاف الضحايا المدنيين الذين وثقّتهم كاميرته، لم يكن لنفسه الأمارة بالسوء، أن تجرؤ على أن تثقله باجترار ومراكمة الاحقاد والكراهية تجاه الجميع، كان يعرف أنه في عمق معركة لا ترحم، ويؤمن بقضية عادلة وهبها حياته بكل تفان، مع كل ما تمر به من التباسات وتعقيدات… على أنه في المواقف الإنسانية، وكما ظهر في مخيمات النازحين التي كان يتردد عليها باستمرار، كان أكثر إنسانية ومدنية من كل هؤلاء الفارغين والمدّعين ممن يجلسون على كراسي وتيرة، ويعتقدون عن خبل مستدام، بأنهم آلهتها في هذه الأرض، يمنحونها لمن يشاءون وينزعونها عمن يشاءون”..
وفي ختام مقاله خاطب اليافعي الشهيد نبيل القعيطي: ” نعم يا نبيل، أنهم لم يقدروا على كتابة نعي عابر من كلمتين، لم يقدروا… ومن الجيد أن نكتشف فيه هذا الوقت المتأخر، أننا لا نستحق كلمتين نعي مزيفة فيما إذا ساقتنا الاقدار إلى أن نتعرض يوماً ما لمثل هذه الحوادث الدنيئة، وهي حوادث كانت تهددنا وتلاحقنا على الدوام… أرقد بسلام يا نبيل”.
