تقرير صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية ؛ السعودية تسعى إلى ترميم علاقاتها مع الإمارات في ظل أزمة الحوثيين

تقرير صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية ؛ السعودية تسعى إلى ترميم علاقاتها مع الإمارات في ظل أزمة الحوثيين

التقارب يأتي في وقت تعمل فيه الرياض على حشد دعم حلفاء آخرين، في مواجهة هجمات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

إعداد: كلوي كورنيش من دبي، وهبة صالح من القاهرة، وأحمد العمران من جدة.

النشر: 26 أكتوبر 2026

تسعى المملكة العربية السعودية إلى إصلاح علاقاتها مع شريكتها الخليجية الرئيسية، الإمارات العربية المتحدة، التي تتنافس معها في بعض الملفات، وذلك في مسعى لمواجهة الهجمات المكثفة التي يشنها الحوثيون انطلاقاً من اليمن.

ويأتي التقارب الناشئ بين القوتين الخليجيتين في وقت تعمل فيه الرياض على حشد دعم شركائها الدوليين، بمن فيهم فرنسا وبريطانيا وتركيا وباكستان ومصر، لمواجهة أحدث موجة من هجمات الحوثيين، في ظل إحجام الحليف التقليدي، الولايات المتحدة، عن الانضمام إلى العمليات العسكرية المضادة.

والتقى الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي وشقيق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي يوم 18 أكتوبر، في أحدث حلقة من الاتصالات رفيعة المستوى بين السعودية والإمارات.

كما توجه الأمير خالد، برفقة مسؤولين رفيعي المستوى من تركيا وباكستان، إلى إيران يوم الاثنين لإجراء محادثات، في إطار أحدث المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوترات في المنطقة.

وجاءت هذه التحركات بعد لقاء نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، شقيق الرئيس الإماراتي، بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض الشهر الماضي، في أول لقاء رسمي بين العائلتين الحاكمتين منذ اندلاع الخلاف بين البلدين بشأن اليمن في ديسمبر الماضي.

وقال الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله: «يدرك البلدان أن الحوثيين يمثلون خطراً وشيكاً على أمن المملكة العربية السعودية، وليس على أمنها وحده، بل على أمن دول الخليج أيضاً».

وتبع ذلك اتصال أجراه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بنظيره الإماراتي الأسبوع الماضي، بحثا خلاله سبل «الإسهام في خفض التصعيد» و«منع اتساع رقعة التوترات»، بحسب ما أعلنته المملكة.

وقال محمد بحرون، المدير العام لمركز بحوث، وهو مركز أبحاث مقره دبي، إن العلاقة السعودية الإماراتية تمر حالياً بمرحلة تسعى فيها الأطراف إلى احتواء التداعيات والتركيز على الأهداف الاستراتيجية المشتركة.

وأضاف: «ستسعى هذه الجهود، بالتأكيد، إلى إعادة إحياء مفهوم الأمن الجماعي، الذي تلقى ضربة خلال العدوان الإيراني».

وتابع أن انعكاسات التقارب قد لا تظهر بالضرورة من خلال «العودة إلى التحالف في اليمن»، وإنما عبر تفعيل قوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي للدفاع عن السعودية، مشيراً إلى القوة العسكرية الخليجية المشتركة التي سبق نشرها خلال حروب إقليمية في الخليج.

وسبقت تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين خطوات لخفض حدة الخطاب المتبادل بين شخصيات من البلدين، والذي هيمن على منصات التواصل الاجتماعي منذ بداية العام.

وقال إياد الرفاعي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، إن السعودية والإمارات قد تتوصلان إلى تفاهم بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين في اليمن، في ظل إدراكهما أن إيران ووكلاءها يمثلون تهديداً مشتركاً.

لكنه أشار إلى استمرار التباين الكبير في تقديرات التهديدات والمخاطر لدى البلدين، مضيفاً: «نحن أمام تحرك تكتيكي أكثر منه تحولاً استراتيجياً أو تغييراً كبيراً. ولن تكون التمنيات كافية لتجاوز هذه الاختلافات أو تقريب وجهات النظر؛ بل يتطلب الأمر اتفاقاً بشأن مستقبل المنطقة وبنية أمنها الإقليمي».

هجمات الحوثيين تدفع الرياض إلى حشد الدعم الدفاعي

تسعى السعودية إلى الحصول على مساعدة لحماية أجوائها ومنشآتها النفطية، عقب هجمات مكثفة شنها الحوثيون وأوقعت أكثر من 20 قتيلاً في المملكة، وأجبرت مطار العاصمة الدولي على الإغلاق، واستهدفت منشآت للطاقة.

ويهدد تصاعد التوتر في منطقة الخليج بتقويض ثقة المستثمرين في الاقتصادات المعتمدة على النفط والصادرات، والتي تواجه بالفعل تداعيات القيود الإيرانية على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر.

وخلال الأيام القليلة الماضية، واصل الحوثيون، المدعومون من إيران، الضغط على السعودية، ما دفع الرياض إلى إلغاء مؤتمرها الاستثماري الأبرز.

وفي هذا السياق، دعا حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في نداء نادر إلى الوحدة الخليجية نشره الأسبوع الماضي على منصة «إكس»، أبناء الخليج إلى التمسك بالروابط التاريخية المشتركة وتجاوز الانقسامات التي غذّتها النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي.

وقد أُرجئ مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، الذي كان مقرراً عقده في الرياض، إلى العام المقبل.

وتخشى الرياض وأبوظبي تنامي نفوذ أحد الأطراف المرتبطة بإيران في شبه الجزيرة العربية. وكانت الإمارات قد شاركت السعودية في القتال داخل اليمن، حيث نشرت قوات ودربت تشكيلات مناهضة للحوثيين في جنوب البلاد منذ عام 2015.

لكن أبوظبي سحبت معظم قواتها في عام 2019، تاركة وراءها خلافاً مع حليفها العسكري السابق.

وتفجرت أزمة جديدة أواخر العام الماضي، عندما سيطر فصيل انفصالي يمني مدعوم من الإمارات على مناطق في محافظات حدودية مع السعودية، ما أثار قلق الرياض.

وردت السعودية بقصف شحنة أسلحة إماراتية في أحد الموانئ اليمنية، واتهمت أبوظبي بدعم الهجوم الذي شنّه الفصيل اليمني. وبعد ذلك بوقت قصير، طُلب من الإمارات الانسحاب من اليمن، لتجد السعودية نفسها مضطرة إلى تحمّل تكاليف القوات التي كانت تدعمها.

ووصف عبد الخالق عبد الله عامي 2025 و2026 بأنهما «أصعب فترة» في العلاقات السعودية الإماراتية، مشيراً إلى أن العلاقة بين البلدين، خصوصاً فيما يتعلق باليمن وجنوبه، وصلت إلى أدنى مستوياتها.

وأضاف: «لكننا الآن أمام مرحلة جديدة، مع تركيز متجدد على الحوار بين الرياض وأبوظبي».

ورغم ذلك، لا تزال الخلافات قائمة بين البلدين، بما في ذلك السياسات النفطية والحرب في السودان. كما أن الإمارات ليست مستعدة بعد لإعادة تخصيص مواردها لليمن.

وقال عبد الله: «هناك اعتقاد راسخ في أبوظبي، وكذلك في عواصم أخرى، بأنه لا يوجد حل عسكري للمأزق اليمني».

دعم دفاعي دون الانخراط في حرب اليمن

في حين تستطيع السعودية الاستعانة بدعم دفاعي من شركائها، فإن عدداً محدوداً منهم يبدي استعداداً للانخراط في حرب أهلية مستمرة منذ نحو 12 عاماً.

وقال كريستيان أولريكسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسات العامة التابع لجامعة رايس، إن احتمال إرسال قوات برية بأعداد كبيرة لمواجهة خصم متمرس في القتال ومتحصن في تضاريس وعرة «ليس أمراً مغرياً».

ومع إحجام واشنطن عن شن غارات جوية على الحوثيين، أعلنت تركيا وباكستان تقديم مساعدات دفاعية للسعودية، رغم عدم وضوح طبيعة هذه المساعدات بالتحديد.

وكانت باكستان قد نشرت بالفعل طائرات مقاتلة ومنظومات للدفاع الجوي في السعودية خلال أبريل، بموجب اتفاقية دفاع ثنائية سابقة، عندما كانت إيران تشن هجمات على المملكة.

أما البرلمان التركي، فلم يصادق بعد على اتفاقية الدفاع الموقعة في مكة في أغسطس، الأمر الذي يحول دون نشر القوات التركية بموجبها حتى الآن. ومع ذلك، أعلنت أنقرة تقديم مساعدات فنية للسعودية.

وكانت بريطانيا أحدث الحلفاء إعلاناً عن تقديم دعم دفاعي، إذ أعلنت الأسبوع الماضي إرسال طائرات مقاتلة للمساعدة في حماية المدن السعودية والبنية التحتية.

كما أعلنت فرنسا إرسال مساعدات عسكرية لحماية منشآت الطاقة السعودية، من دون تحديد طبيعة هذه المساعدات.

ويوم الجمعة، اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان مع نظرائهم الأوروبيين من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.

مصر تفتح الباب أمام مشاركة عسكرية دفاعية

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لإرسال قوات للدفاع عن السعودية «إذا طُلب منها ذلك»، مؤكداً أن أي دور عسكري مصري سيقتصر على المهام الدفاعية، ولن يشمل شن هجوم على اليمن.

ويوم الاثنين، وافق البرلمان المصري على تفويض القوات المسلحة بتقديم دعم دفاعي للسعودية، وفقاً لبيان صادر عن المجلس.

وأوضح البيان أنه، بعد ثلاثة أيام من المداولات في جلسات مغلقة، منح البرلمان الرئيس صلاحية اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن «أراضي المملكة وسيادتها ومقدساتها ضد أي عدوان خارجي».

وقال مايكل وحيد حنا، رئيس البرنامج الأميركي في مجموعة الأزمات الدولية، إن قرار إرسال قوات يمثل خطوة كبيرة للغاية بالنسبة إلى القاهرة، لأنه يتجاوز أحد الخطوط الحمراء الراسخة في سياستها الخارجية، مضيفاً: «مصر شديدة التحفظ فيما يتعلق بنشر قواتها خارج حدودها».

ويستند هذا التحفظ إلى تجارب تاريخية مؤلمة؛ إذ لا يزال المصريون يستحضرون تجربة إرسال الجيش إلى اليمن عام 1962 لدعم الضباط الجمهوريين الذين أطاحوا بالنظام الملكي.

وقد انخرطت القوات المصرية آنذاك في حرب أهلية استمرت خمس سنوات ضد الملكيين المدعومين من السعودية، وتكبدت خسائر بشرية كبيرة.

كما امتنعت القاهرة عن الانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين في اليمن عام 2015.

لكن السيسي قال هذا الشهر إن مصر تدين لدول الخليج بالامتنان لدعمها المالي الذي قدمته عام 2013، عقب الإطاحة بالرئيس الإسلامي المنتخب الذي سبقه، في تحرك قاده السيسي حين كان وزيراً للدفاع وحظي بدعم شعبي واسع، وفق توصيفه.

وتُعد السعودية مستثمراً رئيسياً في الاقتصاد المصري المثقل بالديون؛ إذ تبلغ قيمة الودائع السعودية التي تدعم احتياطيات البنك المركزي المصري نحو 10.3 مليارات دولار.

كما تمثل تحويلات ما لا يقل عن 1.25 مليون مصري يعملون في السعودية مصدراً مهماً لتوفير العملات الأجنبية للاقتصاد المصري.

وكتب الكاتب السعودي البارز عبد الرحمن الراشد الأسبوع الماضي: «إن صعود إيران سيكون على حساب مصر، والقاهرة تتحرك دفاعاً عن مصالحها ونفوذها واقتصادها».

وتسعى مصر أيضاً إلى ضمان حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يستهدف الحوثيون السفن المارة عبره، الأمر الذي ينعكس سلباً على إيرادات قناة السويس.

وكانت القاهرة قد أثارت استياء الإمارات في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، عندما سعت إلى التوسط للتوصل إلى تسوية للنزاع، وهو موقف فُسّر في أبوظبي على أنه مساواة بين الإمارات وطهران، في وقت كان فيه النظام الإيراني يطلق الصواريخ على الدولة الخليجية.

وفي محاولة لاحتواء التوترات، نشرت مصر مجموعة من الطائرات المقاتلة في الإمارات في وقت سابق من العام الجاري، لكن لم تتوافر معلومات عن طبيعة مهمتها منذ الكشف عن وجودها في مايو.

وقال إتش إيه هيلير، الباحث المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية، إن القاهرة تتحرك بحذر شديد، لكنه أضاف: «لا أعتقد أنها ترى أن بإمكانها البقاء خارج هذه الأزمة».

Author

CATEGORIES