التقارب السعودي الإماراتي المحتمل ومستقبل اليمن والجنوب.. قراءة جيوسياسية في ضوء المتغيرات الإقليمية

إن أي تقارب حقيقي بين السعودية ودولة الإمارات يمثل تحولًا في ميزان القوى الخليجي ستكون له انعكاسات مباشرة على اليمن، الذي ظل طوال السنوات الماضية أحد أبرز ميادين التنافس بين رؤيتين مختلفتين لإدارة الأزمة.
أولًا: لماذا التقارب الآن؟
جاء هذا التقارب في لحظة إقليمية معقدة تتسم بعدة متغيرات متزامنة، أهمها:
* استمرار تنامي القدرات العسكرية والسياسية للحوثيين بدعم إيراني، وتحولهم إلى لاعب إقليمي يتجاوز حدود اليمن.
* إدراك الرياض وأبوظبي أن استمرار الخلاف بينهما يمنح إيران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
* تنامي أهمية أمن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب في ظل الاضطرابات الإقليمية والتنافس الدولي على طرق التجارة والطاقة.
* سعي دول الخليج إلى توحيد مواقفها أمام التحولات الكبرى في الشرق الأوسط.
ثانيًا: انعكاسات التقارب على الملف اليمني
إذا ترسخ هذا التقارب، فمن المرجح أن يتجه الطرفان إلى إعادة صياغة المشهد اليمني على أسس جديدة، قد تشمل:
* إعادة ترتيب مكونات الحكومة المعترف بها دوليًا.
* تقليص مراكز النفوذ التي نشأت نتيجة الخلاف السعودي–الإماراتي.
* إعادة توزيع الأدوار العسكرية والأمنية في المحافظات الجنوبية.
* بناء رؤية مشتركة لإدارة الصراع مع الحوثيين بدلًا من تعدد مراكز القرار.
ثالثًا: إيران والحوثيون… المستفيد الأكبر من الانقسام
خلال سنوات التباين السعودي–الإماراتي، استفادت إيران والحوثيون من حالة الانقسام داخل المعسكر المناهض لهم، إذ أضعف ذلك من تماسك الجبهة المقابلة.
أما إذا نجح التقارب الحالي، فقد يحد من هذا الهامش ويزيد من التنسيق بين الرياض وأبوظبي في مواجهة التحديات الأمنية، مع بقاء الحوثيين فاعلًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية.
رابعًا: أين يقف الجنوب؟
يبقى الجنوب أحد أكثر الملفات حساسية في أي تفاهم سعودي–إماراتي. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يطرح مشروعًا سياسيًا يقوم على استعادة دولة الجنوب، بينما تؤكد السعودية في إطار مواقفها المعلنة دعمها لوحدة اليمن ضمن المرجعيات الدولية المعروفة، مع سعيها للحفاظ على نفوذها وأمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية.
وهذا يخلق تباينًا سياسيًا لا يعني بالضرورة القطيعة، لكنه يجعل العلاقة بين الرياض والمجلس الانتقالي علاقة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والجغرافيا.
خامسًا: حضرموت ووادي حضرموت.
تشكل حضرموت، بما تمتلكه من مساحة واسعة وموارد وموقع استراتيجي، إحدى أهم نقاط الارتكاز في مستقبل اليمن، وقد شهدت السنوات الماضية تغيرات في الانتشار العسكري والنفوذ داخل وادي حضرموت، وهو ما عكس اختلافًا في مقاربات القوى الإقليمية والمحلية، وإذا استمر التقارب السعودي–الإماراتي، فمن المحتمل أن يشهد هذا الملف إعادة تنظيم بما يتوافق مع تفاهمات جديدة، لكن طبيعة هذه الترتيبات ستظل رهينة بالتوافقات السياسية والأمنية وبمواقف الفاعلين المحليين.
سادسًا: مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي.
من الناحية الجيوسياسية، يواجه المجلس الانتقالي ثلاثة تحديات رئيسية:
1. المحافظة على حضوره الداخلي وتمثيله السياسي في الجنوب.
2. بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية، بما فيها السعودية والإمارات.
3. إقناع المجتمع الدولي بأن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تراعي تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب، ضمن إطار قانوني وسياسي قابل للنقاش.
إن التقارب السعودي–الإماراتي، إذا استمر، قد يعيد تشكيل موازين القوى في اليمن، لكنه لن ينهي تلقائيًا التعقيدات القائمة، فمستقبل اليمن سيظل مرتبطًا بتفاعل عدة عوامل: مواقف القوى اليمنية، ودور إيران والحوثيين، ومصالح دول الخليج، ورؤية المجتمع الدولي.
أما بالنسبة للجنوب، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى تغيير الوضع القائم سيظل بحاجة إلى الجمع بين الحضور الشعبي الفعّال، والقدرة على التفاوض السياسي، والتعامل مع البيئة الإقليمية والدولية، لأن أي تسوية نهائية ستتأثر بهذه العناصر مجتمعة.
بقلم د. توفيق جازوليت.
