مأرب وأكلة لحوم البشر.!

عندما كان علوج الحوثين تكتسح الأراضي وتستبيحها قرىة قرية مدينة مدينة، كانت مأرب بوجهها القشيب المتجذر بفطرة وأصالة بداوة الصحراء، والمرتبطة بعراقة ماضيها الإنساني، هي البقعة المباركة والمحروسة بسواعد ابنائها، والتي على أسوارها تتكسر أحلام الغزاة وتتراجع آمالهم، وهي الواقفة على المدى كالطود تطاول بشموخها السحاب وتأبا الانحناء والنكوس، واليوم وقد أُقتضم منها الكثير ولم يبقى منها إلا القليل.ليتساءل سأءل كيف ومتى ولماذا ..؟

فمأرب العاصفة ليست هي مأرب قبل العاصفة ودونها، والمستوحاة من مأرب أظبار التاريخ، النابذة للملوك ـ المتصدية للإمامة ـ المُأزرة للثورة السبتمبرية، وإلى حين انتصرت، ولم تغادرها وتغدر بها إلا إنها ظلت بعيدة عن التفاعل معها بالشكل المطلوب، لتبقى رهين محبسها ترفض الاستنقاص من دورها التاريخي، وترى في ثقل وزنها الحضاري أحقيتها بالريادة من صنعاء وغير صنعاء، وإن لم يتحقق لها ما تصبو وتطمح إليه في استعادة مجدها الأزلي، إلا إنهُ استمر على الدوام هاجسها الأكبر الذي يؤرّقها وتعيش بسببه منطوية في عقدتها تعاني من توحّدها وتوحشها.

وإلى مفترق 2015م إلا وتبدأ عِصمة مأرب تتكسر على هامش جهوية الدولة المُنقّب عنها في صحارايها المترامية الأطراف الضحلة بالغاز وبالنفط، ومن حينئذ أخذ يغمر سكونها وفضاؤها الرحب مزيج من الوان الثناء والتطبيل، ليجعل منها على عجل أمام صلف الحوثين ملاذ أخير للشرعية المؤيّدة بروح السدنة العائدة إلى الّله.

وهم يصنعوا منها وجه الشبه مع مقاشن صنعاء العتيقة وحدائقها الغناء، فحذت حذوهم، وتمدّنت وتعوّصمت وتحوّلت شوارعها من بعد الرتابة الترابية المملة نظيفة تزهو بالأسفلت والأسمنت والحجر. وليتعالى بنيانها ويتوسع في كل ناحية، فيسود جوّها السخب وعلى كل أرجائها نمى بدماء أبنائها فروعًا من البذخ الغير معهود للإنسان الماربي، وتوهّمت هي بهذا المشهد وبما حظيت به أخيرًا من أهمية، إن قضيتها قد أحتلت وفي صوم صنعاء اليوم إفطارًا لها سيدوم إلى الأبد.

وهكذا فما حافظت عليه مأرب وعلى وجهها المنزّه عن تجاعيد المصالح والأنانيات الضيقة، وهي لا تزال عصيّة لم تطَها أقدام غازٍ، إلا ليعود ذلك يشوّه ويُمحق حديثًا بسفور أقدام نجواها الجدد، ولتباشر هي تعرضه في مزادات الاختلاف والتباين فتبيعه بأبخس الأثمان.

وها قد باتت تطوّقها وتحفّها أكلي لحوم البشر من كل ناحية وجانب، وفي سباق مع الزمن هم يجوبون نهر جانجا باستمرار، يبعثروا في ما جمعوا وصطادوا من جثث وأشلاء تفي بغرض مناسك بطونهم، ليرضوا ويشبعوا بها جشع الهة النهر المتقوع في كهوف الهملاياء وفي نفوسهم.. وما من يوم يمر عليها إلا ويحصد له عشرات من الأطفال والنساء والشيوخ، وغدًا سيكون معبد الشمس على موعدٍ مع طقوس رهبانيّة فريدة، وتحت ضغط أبخرة اللبان الكثيفة وتراتيل المتعبدين المتخمة باللحم وشرب الدماء، ومن بعد طول ممانعة قد تجبر في نهاية الأمر الاه المقه على التراجع والتسليم بعرش بلقيس.

Authors

CATEGORIES