قصة قصيرة : الشارد العجيب !

تأليف – نورا مجمّل
إنه صباح التاسع من سبتمبر هذا اليوم ليس كباقي اﻷيام عندي فهو يوم مميز جدا لكونه أول يوم أذهب فيه للعمل …
هأنا اﻵن أصبحت معلم تلك المهنة التي أحببتها كثيراً ولطالما تمنيت أن أقف مكان معلمي عندما كان يشرح الدرس…
لم أكن أستمع إلى شرحه فقط بل كنت أراقب وقع خطواته وكأنهما آلة موسيقية تعزف أعذب الألحان …صوته العذب كمعزوفة كمان كل نغمة وتر فيها تحكي قصة كفاحه ووصوله لما هو فيه…
كنت أحدق في عينيه وأطيل النظر وأبحر فيهما ولا أكاد أصل إلى الشاطئ فالرحلة طويلة طويلة كرحلة ماجلان حول العالم…
حتى يقطع حبل افكاري ذاك الصوت المزعج وكأنه صافرة إنذار تعلن عن انتهاء الرحلة.
جهزت نفسي وبخطىً واثقة غادرت المنزل وبعد مقابلتي لمدير المدرسة طلب مني أن أتولى تدريس تلاميذ الصف اﻷول الإبتدائي سعدت كثيراً لم يكن الكون يسعني لحظتها من شدة الفرح فحلمي قد صار حقيقة ..
أتجهت إلى الفصل الدراسي فرأيت تلك العيون البريئة والأجساد الصغيرة
الكل كان يحملق بي فهو أول يوم لهم في المدرسة كما هو لي …
ألقيت التحية عليهم وعرفتهم بنفسي وأخبرتهم ماذا سادرسهم …
وبدأت أسألهم بعض الأسئلة التي تناسب براءتهم الكل متفاعل ومتحمس ماعاد ذاك الطفل الذي يجلس بجوار النافذة وهو يحدق بعينه الصغيرتين في السماء وكأنما اخترق بناظريه السماء وحلق في عالم آخر لقد طارت مخيلته في البعيد البعيد الذي لا أعلم ماهو؟!
تعرفت على الجميع حتى وصلت إليه لقد كان يرتدي ملابس بالية ذات الوان باهتة قد ترك المخاط بقاياه كأنها وشماً على جسد من بقايا جروح الزمن تحكي مأساته..
قلت له : ياصغيري ما اسمك؟! لم يجب فمازال يهيم في السماء…
دنوت منه أكثر وأعدت عليه سؤالي ثانية لكنه لم ينظر إلي فقط ظل يحدق في السماء بتلك اللؤلؤتين الصغيرتين …
لم أرد أن أزعجه أكثر تركته ورحلت وأنا في حيرة من أمري مااسمه وما قصته؟!.
إسبوع مر وصغيري على هذا الحال يظل شارداً في تفكير عميق وهو ينظر إلى البعيد من خلال النافذة التي يجلس بجوارها.
ذهبت إلى المدير وسألته عن ذاك التلميذ فاخبرني أنه يتيم وهو على هذا الحال منذُ العام الماضي وربما سيظل هكذا ويعيد السنة حسب قوله.
قاطعته قائلاً: أنا من سيغيره وستراه من التلاميذ المتفوقين في المدرسة قلتها بثقة وبدون تفكير شعور في أعماقي جعلني أقول ماقلت!
قررت أن أفي بوعدي للمدير وأن أتّبع معه أسلوب جديد علّه يخرجه مما هو فيه.
وبعد دخولي الفصل رأيته على تلك الحال كأنه قد تسمر في مكانه.
وقبل أن أبدأ الدرس قلت: الذي يجيب عن أسئلتي ويشارك أثناء الحصة _وكذلك المتفوفين في هذا العام _ساعطيهم ما يطلبونه مني وأحقق لهم أي شيء يتمنونه …
التفت إلي بنظرات يملؤها الفرح والسرور وكأنه قد غادر عالمه ليعود بجسده الصغير إلى مقعد الدراسة …
حينها سألني :ستعطينا ما نريد يا أستاذ ؟
ومن شدة فرحي لسماع صوته ﻷول مرة قلت له نعم أعدك سأعطيك أي شيء تريده، ولكن بشرط سيكون هذا نهاية الفصل بعد إعلان النتائج …
أومى برأسه وهو يبتسم موافقاً على ماقلت …
مرت اﻷيام والشهور ولاحظت تطور كبير في مستواه الدراسي لم يكن هذا في مادتي فقط بل لمع كنجمع ساطع في جميع المواد الدراسية بعد أن كان يعيش في ظلام دامس في عالم آخر لا أحد يعلم أسراره سواه…
لم أكن أتوقع أن ذاك الوعد سيصنع به كل هذا ولم أدرِ ماالطلب الذي سيطلبه مني؟! ..
لكن سعادتي بتفوقه أنستني كل تلك الأسئلة…
مر عام كامل وأنا أرى تلميذي الصغير يحلق عالياً كعصفور قد ملئ أرجاء المدرسة بزغزغته …
الكل سعيد لهذا التغيّر الملوحظ في سلوكه ولكن الجميع يجهل السر وراء ذلك …
حتى وصلنا إلى اليوم المنتظر يوم إعلان النتائج لم يحصل تلميذي على إحدى المراكز الأولى فقط بل تفرد بالمركز الأول وبإمتياز دون عن بقية زملاءه…
وباعتباري رائد الفصل ذهبت إليه لأنقل له ذاك الخبر السار …
وبعد توزيع الشهائد على جميع التلاميذ في الفصل كان لابد أن أفي بوعدي لهم -طبعاً أحضرت معي مجموعة من الألعاب أشتريتها مسبقاً استعداداً لهذه اللحظة- وتوقعت أن تكون هي مايريدونه حسب أعمارهم الصغيرة…
الجميع بدوا سعداء جداً وهم يستلمون الهدايا مني …
وأحتفظت بأثمنها وأجملها لتلميذي علي .
ناديته علي :لماذا لا تأتي وتختار هدية من بين هذه الهدايا التي أحضرتها لكم…
قال :ياأستاذ أحمد أنا لا أريد أي هدية منها،وبصوت منخفض يملؤه الحزن قال: لقد وعدتني أن تعطني أي شيء أريده .
حينها علقت الكلمات في حنجرتي خوفاً من ألا أفي بوعدي له وقلت في قرارة نفسي وما الذي يريده طفل صغير مثله؟!..
أقتربت منه ودنوت قليلاً وأجبته بنعم ، ولكن ما الذي تريده ياصغيري علي؟! ..
قال:أريد الوطن .
لحظتها أندهشت وأحسست الدم يتجمد في العروق….
يااااإلهي ما هذا الطلب الغريب من طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره؟! .
قلت له وأنا أتصبب عرقاً: ولماذا تريد الوطن وما يعني الوطن بالنسبة لك ياعلي؟!!!.
قال: والدموع تملؤ عينيه الصغيرتين وكأنها أمواج تتلاطم ضاقت بها الشطآن انبعثت من إعصار هائل ثار في أعماقه.
لقد ذهب والدي للقتال وقبل أن يرحل همس في إذني قائلاً :ياصغيري أنا ذاهب في طريق طويل طويل لا أعلم له نهاية ولكنني أعدك أنني سأعود يوماً ما إليك عندما نستعيد الوطن ..
ومن لحظتها لم يعد والدي ولم يعد الوطن..
أكمل حديثه قائلاً : إن اعطيتني الوطن ربما سيعود والدي..
النهاية#
