الماضي انتهى والغد لم يات بعد
المستقبلُ هو ذلك الهاجس من التفكير الخفي عند الإنسان، والذي دائماً ما يطاردهُ شعوراً بالرهبة والخوف منه، وعادةً ما يكون مبنياً على واقع ما يمرّ به من أحداث، فإذا أمتلك فيها من المميّزاتِ والمقوّماتِ الحياتيةِ السهلةِ، ما تجعلهُ يحس ويتوقّعَ بالمتغيّرات تجري لصالحه، سيكون طبعاً ذا شعورٍ متوازنٍ، وإن كان تحفّه المكاره والصعوبات فأكيد سيكون ذو شعورٍ مختلّاً غير معتدل.
ويعد الحاضر بما حُمّلَ بمثابة جسر أتصال يربط بين الماضي والمستقبل وإذا لم يُحسن إستغلاله إستغلال جيد، استجابة لحاجيات وضروريات المرحلة، وبما يتفق مع روح الحداثة والمعاصرة، كثيرا ما يتحول عنصر هدمٍ لقواعد اللعبة.
ولحيث أنه سيّد الموقف، ودائماً وأبداً هو في الأخير من يحدد ملامح القادم المنطوي بكتمان الغيب، لكن يبقى للماضي ميزة التحكّّم في الانطلاقة، وعادة لهذ السبب ما يتبجح ويتحجج علينا بمحدداته وبالحجج الرتيبة، يحاول ينجح فينا، يحاصرنا ويفرض علينا شروطه، يعرقلنا ويحد من تصرفاتنا تجاه أموراً كثيرة حذراً من تجاوزها.
ونتيجة عدم وجود معيار ثابت، يساعد في اتباع الأليّة المناسبة التي تقلل من تأثير حجم ذلك العنصر على سلوكياتنا كبشر، لنستطيع التعامل بمقتضيات الظروف والأحداث، لذا قد نخفق مراراً وتكراراً وبجعل من احد العنصرين يطغى على الآخر، بما يؤجج ويفاقم من حجم المشكلة، ليعني ذلك كلهُ ترجيح كفة إستمرارية السلبيّة لدينا.
وبالتالي نحن أمام ثلاثة عناصر هي من تحدد ملامح العصر لنا (الماضي ـ الحاضر ـ المستقبل ) فالماضي هو الأمس الذي غاب وانتهى، والحاضر هو اليوم الذي نحن بصدده، والمستقبل هو الغد المشرق الذي نأملهُ ولم يأت بعد.
فإذا كنّا حاضرين نعيش في واقع كالحرب مثلاً، وقد غدت علينا أفعالها مضارعاً مستمر لا تنفك بَعديّا ولا قبليا عنّا، وإذ نستشعر فداحتها ونحاول جاهدين الأفلات منها، ولكن بحيث إننا لم نتحلل قليلاً من تركة ماضينا، والتي هي أساساً تنشى على تركبتها تبعاتٍ كثيرةٍ، لذا نحن نعجز دائما عن إيجاد الوسائل التي تجنّبنا الخطر.
ولأنه ماضي انتهى زمنه ولكننا لم نستطع نمحهُ من ذاكرتنا إلى الآن، فما زال تأثيره يمتد ويتحكّم في سلوكياتنا بنسبة عالية جداً، تجاوزت حدود مقدراتنا على تأطير الحاضر لصناعة حياة كريمة ومثاليّة تليق بنا.
لهذا ستبقى أفعالنا الإيجابية تجاه مستقبلنا مقيّدّة، وشريطة تذليل الصعاب أمامها، نحتاج إلى إرادة صلبة وعمل جبّار وقبل الشروع في أي خطوة نخطوها توجّب علينا اولاً أن نتسامح مع أنفسنا قبل أن نتسامح مع بعضنا البعض، وليهدئ روعة الحاضر فينا لنتمكن بعدها فتح صفحة جديدة نجعلها منطلقاً نحو ذلك المستقبل المنشود.
